المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : *** الــغــيـــبـــة ( الجزء الثاني ) ***


أم البنات
08-07-2008, 10:18 PM
http://img373.imageshack.us/img373/1606/0100wn6.gif


هذا هو الدرس العاشر من سلسلة الآداب الذي ألقاه فضيلة الشيخ د. عادل المطيرات : 24/07/2008


*** الغيبة : الجزء الثاني ***


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .
أما بعد :


حي الله الجميع في هذا الدرس الأسبوعي ، و في حلقة من حلقات العلم الشرعي ، التي هي أشرف حلقة و أعظم حلقة في هذه الأرض ، أن يجتمع المسلمون على كتاب الله عز و جل ، و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، و نحمد الله عز و جل على هذه النعمة العظيمة و التي نكررها دوما و أبدا ، لأننا في نعمة عظيمة لأن كثيرا من الناس و في هذه اللحظات منشغل في المباحات ، و بعضهم منشغل بالمعاصي ، و نحن و لله الحمد نسأل الله عز و جل أن يديم علينا نعمة العلم ، منشغلون و لله الحمد بهذا العلم الشرعي ، الذي هو رصيد الإنسان في هذه الدنيا و الآخرة .


تكلمنا في آخر درس عن آفة من آفات اللسان و هي ((( الغيبة ))) ، و قلنا بأننا سنفردها في درس أو درسين ، و أظن بأننا تكلمنا في الدرس الماضي عن معنى الغيبة و قلنا إن الذي فسرها هو رسولنا صلى الله عليه و سلم قال : " ذكرك أخاك بما يكره " .

و بينا الأدلة التي تدل على تحريم الغيبة فمن القرآن :
{ و لا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ..} و ذكرنا بعض الأحاديث الواردة في تحريم الغيبة و قلنا إن الإجماع بأن الغيبة محرمة ، و أنها من كبائر الذنوب ، ثم بينا بعد ذلك ما هي الأسباب الباعثة على الغيبة و قلنا منها : تشفي الغيظ ، و منها موافقة الأقران ، و منها إرادة الإنسان رفع نفسه و تنقيص غيره ، و منها اللعب و الهزل ، و منها الحسد ، فهذه هي الأسباب التي تبعث على الغيبة ، و لأن المواضيع المتعلقة بالغيبة كثيرة ، فلذلك لابد أن نذكر :


"" باب الأمور المتعلقة بالغيبة "" .

من هذه النقاط المهمة في الغيبة :

*** أن بعض الناس يفعل هذه الغيبة في بعض الأمور و هو لا يظن أنها غيبة و هي غيبة .

يعني يظن بعض الناس بأن الغيبة هي أن الإنسان يجلس في مجلس و يذكر فلانا من الناس أو فلانة من الناس بوصف لا يحبه ، فيقول هذه غيبة واضحة ، لكن في الحقيقة هناك أمور كثيرة تعتبر من الغيبة ، و إن كان بعض الناس لا يظنها من الغيبة ، مثلا : بعض الناس يتكلم عن شخص في غيبته و إذا قيل له أنت اغتبت هذا الشخص ، و إذا نهيته عن ذلك ماذا يقول ؟؟؟ يقول : لا ، أنا مستعد لأن أقول هذا الكلام أمامه هذه ليست غيبة أنا مستعد أن أقول أمامه ، نقول هذا خطأ لأن هذه هي الغيبة ، نعم اذهب و قل أمامه ليس فيها شيء ، لكن من خلفه غيبة ، وهذا يحصل من الكثير من الناس ، يقول أنا عندي جُرأة أنا ما أخاف أنا أقول أمامه و خلفه ، نقول : هذه غيبة لأن ذكر الإنسان من خلفه ما يكره غيبة ، لاشكفي ذلك ، أما استعداد الإنسان لكي يتكلم أمام الإنسان فهذا أمر آخر . إذن هذه من الغيبة ، نقول هذه هي عين الغيبة ...


http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif



*** أن يذكر الإنسان في مجلس ، مثلا يقول : الحمد لله الذي عافانا أو نعوذ بالله من قلة الحياء أو نسأل الله السلامة و العافية و هو يقصد هذا الشخص لكن هذه من الغيبة ، هذه الكلمات غيبة ، لأنه واضح من المجلس أن المراد بهذا الكلام هو هذا الشخص الذي هو غير موجود أو مثلا يقول : الله يستر عليه ، يقول : يا جماعة أنا ما أريد أن أتكلم عليه ، لكن الله يستر عليه ، أنا لا أريد أن أغتابه و ماذا بقي ؟؟؟ هذا غيبة ، و هذا يقع من بعض الناس ، و هذه هي عين الغيبة ، و لكن الإنسان يقول : أنا لا أريد أن أغتابه ، هو وقع في الغيبة ، لأنه الآن يريد أن ينتقص من هذا الشخص و يتكلم فيما يكره ، فهذا أيضا مما يظن بعض الناس أنه ليس فيه شيء و هو من الغيبة ...



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif




*** أن بعض الناس يصف بعض الناس بصفات و هي منقصة و يظن أنها ليست منقصة ، مثلا يقول : هذا فلان صغير ، يعني يغتاب شخص صغير يقول هذا طفل صغير يجوز أن أغتابه ، هذا غير صحيح ، و هذا كلام غريب يحتاج إلى دليل ، فالغيبة لما حرمها النبي صلى الله عليه و سلم لم يفرق بين صغير و كبير ، فالذي يقع في الغيبة هو آثم سواء اغتاب صغيرا أو اغتاب كبيرا ، لكن لو الصغير اغتاب الكبير ، و إن كان هذا الأمر ينبغي ان ننهى الصغير عنه ، هنا نقول : لا يأثم لأنه غير مكلف مع أننا لا نشجعه على ذلك و ننهاه ، إذن هذه غيبة ممن يتساهل فيها بعض الناس بحجة أن الذي يغتاب هو صغير ....




http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif




*** بعض الناس يجلس في البيت و يتكلم عن خادم أو خادمة أو سائق أو نحو ذلك بما يُنقصه ، فإذا قيل له اتق الله ، لماذا تتكلم عن هذا الشخص ، يقول : هذا خادم ، هذه خادمة ، سبحان الله !! الخادم و الخادمة أليسوا بشرا ، قد يكون هذا الخادم أو هذه الخادمة مسلمة صالحة قلبها مليئ بالإيمان ، فتدخل الجنة ، و قد تكون أنت يا مسلم عاصي و قد تكون عندك ذنوب يعني محبطة للأعمال فتدخل النار ، فأقول إن ممن يتساهل الإنسان فيه بالغيبة ، إن صح التعبير أصحاب الوظائف المتدنية ، خادم ، خادمة ، سائق ، زبال أو نحو ذلك ....
لابد أن نعرف بارك الله فيكم بأن الغيبة غيبة على الصغير و على الكبير ، بل إن بعد العلماء من حرصه أن لا يتكلم على أحد ، يقول :
لو عَيَّرْت كلبا ، لخشيت أن يحولني الله كلبا !! يعني يقول : حتى لو تكلمت في كلب ، بهيمة ، أخاف عقوبة الله عز و جل إلى هذه الدرجة لا يريد أن يتكلم حتى على البهائم ، لأن هذا من خلق الله سبحانه و تعالى ، و خلق الله كله حسن سبحانه و تعالى ، كما صح في المسند من قول النبي صلى الله عليه و سلم : " كل خلق الله تعالى حسن " . ، إذن عندما تقع في الغيبة فهي غيبة سواءا اغتبت رجلا أو امرأة أو صغيرا أو كبيرا ، و سيأتي التفصيل عندما نتكلم عن الأمور المباحة في الغيبة ، ....


هل يجوز أن يغتاب الإنسان إنسانا كافرا ؟؟؟ .


لا يجوز ، هذا هو الصحيح لأن الغيبة لا تجوز مطلقا إلا ما نص الشارع على جوازه و سيأتينا بعد قليل ، فهذا من التساهل الذي يتساهل فيه بعض الناس، و أنا لما أقول كافر كأن يستهزئ الإنسان مثلا بشكل كافر ، مثلا يقول انظر إلى هذا الأسود ، انظر إلى هذا الأعرج ، انظر إلى هذا ، أو يشبهه بالبهائم فهذا غيبة ، أما الكلام عن كافر لدفع شره فهذا سيأتي حكمه بعد قليل عندما نتكلم عن ما يباح من الغيبة ...


المقصود أن الغيبة غيبة ، " ذكرك أخاك بما يكره " ، قد يقول قائل : قال النبي صلى الله عليه و سلم :

" ذكرك أخاك " و المقصود به المسلم لكننا نقول هنا أخاك على التغليب يعني أن النبي صلى الله عليه و سلم يخاطب المسلمين ، و هذا له نظائر كثيرة أن يأتي ذكر الأخ من باب التغليب ، مثلا لما قال النبي صلى الله عليه و سلم : " لا يَبِعْ بعضكم على بيع أخيه " يعني كون الإنسان مثلا يشتري سيارة ، اتفق مع البائع على مبلغ معين و عندما يحصل الإتفاق يأتي شخص آخر و يقول للمشتري أنا لي سيارة نفس هذه التي تريد أن تشتريها أعطيها لك بسعر أقل ، هذا حرام ، لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا يبع بعضكم على بيع أخيه " . قال بعض العلماء : أخيه هنا يعني مسلم ، و قال بعضهم لا ، هذا من باب التغليب ، و لذلك لو باع على بيع كافر أيضا يحرم و لا يجوز هذا القول الصحيح سيأتي هذا إن شاء الله ...

أم البنات
08-07-2008, 10:20 PM
لكن نحن الآن في مسألة أن هناك بعض الأمور لا تُظَنّ أنها غيبة و هي غيبة ، و ذكرت لكم بعضها منها : أن الإنسان يقول أنا أتكلم من أمامه و من خلفه ، و منها : أنه يقول إذا ذكر شخص : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به ، أو أن يقول الله يستر علينا و عليه أو يقول هذا صغير و لابأس أن أتكلم فيه و نحو ذلك ، هذا كله من الغيبة . أو الإستهزاء بالإنسان بجنسه أو لونه أو جنسيته هذا و للأسف معروف و أنتم الآن كثير منكم من دول مختلفة ، و تجدون في البلد الواحد يعني من جنسيات أخرى ، هذا من الغيبة ، لأن القصد من هذا الذكر هو الإستهزاء و التنقيص من الشخص ، فنقول لا يجوز للإنسان أن يتكلم في شخص في شكله أو جنسه أو جنسيته أو لونه ، كذلك التساهل في غيبة العاصي و هذا سيأتينا بعد قليل ، لكن لابأس أن نذكره ، يتكلم في العاصي و إذا نصحته يقول : لا غيبة لفاسق . فينسب ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم و يقول ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : " لا غيبة لفاسق " و هذا غير صحيح ، إنما تكلم به بعض العلماء و قال : لا غيبة لفاسق ، و يقصد به أمرا آخر سنذكره بعد قليل إن شاء الله فيما يباح من الغيبة ... يأتي مثلا و يقول : انظروا إلى الفنان كذا ، وانظر إلى كذا ، و يسب أو يشتم أو يتكلم بشيء ينقصه ، هذا تساهل و هذا غيبة و لا يجوز ، نحن نسأل الله لهم الهداية ، و دائما أقول لكم أخواتي الكريمات بارك الله فيكم : الدعاة إلى الله عز و جل كالأطباء ، هل نحن إذا رأينا هؤلاء العصاة نتمنى أن يدخلوا النار ؟؟؟ لا و الله ، نتمنى و ندعو من قلوبنا أن يهديهم الله عز و جل و يكونوا صالحين ... و هل نحن نضمن الجنة ؟؟؟ نحن لا نضمن الجنة ، فمن العصاة من قد يكون عنده توبة وعنده ندم فيدخل الجنة ، ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين عندما تكلم عن منزلة التوبة له كلام طيب أريد أن تستمعون إليه بانتباه ، يقول في منزلة التوبة :

رُبَّ إنسان تُدخله طاعته النار ، و رُبَّ إنسان تدخله معصيته الجنة ...


يقول : ممكن أحيانا الإنسان تدخله طاعته النار ، و أحيانا تدخله معصيته الجنة ، كيف ؟؟؟ .

يقول الأول : يصلي و يصوم و يتصدق و يتعبد ربه سبحانه و تعالى لكنه مُعْجب بعمله ، مُرائي ، و العُجْب و الرياء من محبطات الأعمال فيودي هذا إلى عدم قبول عمله فيدخل النار ، ليست القضية أن الإنسان يصلي و يصوم ، لا ، القضية أن يُحافظ الإنسان على هذه الصلاة و هذا الصوم ليسلم من المُحْبِطات ، هل تعلمون بارك الله فيكم أن هناك من الناس من يبني أعمالا صالحة ثم يهدمها ؟؟؟ نعم هناك أدلة كثيرة على ذلك ، امرأة في زمن النبي صلى الله عليه و سلم ، تسمى الزاهدة العابدة حتى قال الصحابة هذه من شأنها إذا ماتت دخلت الجنة ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : " لا خير فيها هي من أهل النار " .

لا إله إلا الله !!انظروا كيف استغرب الصحابة : تصلي تصوم تتصدق ، هذا هو الزهد و هذا هو الصلاح ، قال : لا خير فيها هي من أهل النار ، قالوا : لماذا يا رسول الله ، قال : كانت تؤدي جيرانها بلسانها ...



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif




يقول العلماء : ليست القضية أن تفتح باب الخير ، المهم أن تغلق باب الشر .

كثير من الناس يفتح باب الخير على نفسه ، و يفتح باب الشر على نفسه ، و الكثير منا لا ينتبه إلى هذه القضية قضية حبوط العمل ، نعمل يعمل الصالحات و هذا أمر طيب و يجب أن نكثر من أعمال الصالحات ، لكنه ينسى قضية المحبطات بارك الله فيكم ، أعمال القلوب ، أمراض القلوب ، الرياء ، العُجب ، الحسد ، البغضاء ، الحقد ، الشك و الريب ، النفاق ، نسأل الله سبحانه و تعالى أن يجيرنا من أمراض القلوب كلها ، آمين ، هذه الأمراض بارك الله فيكم محبطة للأعمال ، صح في مسند الطيالسي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ثلاث مهلكات ، شُحٌّ مطاع ، و هوى متبع ، و إعجاب المرء بنفسه ". ..



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif



إذن نعود إلى موضوعنا ، أنا نبهت أن الإنسان لا يتساهل في غيبة العاصي ، و نعود لكلام ابن القيم : و رب إنسان أدخلته معصيته الجنة . كيف ؟؟؟ و هل نحن معصومون ؟؟؟ لا ، نحن نحرص قدر المستطاع بكل ما أوتينا من قوة أن نبتعد عن المعاصي صغيرها و كبيرها ، لكننا نقع ، كل بني آدم خطاء ، وقع هذا في المعصية ثم ندم ، استغفر ، تاب ، أناب ، أحس بانكسار و ذل للمولى سبحانه و تعالى فتاب فتاب الله عليه فدخل الجنة ، أقول لو أن إنسانا ملتزما و صالحا استهزئ بهذا العاصي و اغتابه ، قد يكون هذا الإستهزاء سببا لدخول هذا الشخص الذي ظاهره الصلاح و الفلاح ، يدخل النار و العياذ بالله ، و هذا الشخص العاصي ، قد يكون فنانا أو مطربا نسأل الله أن يهديه يا رب و جميع المسلمين ، قد ييسر الله له التوبة فيتوب فيتوب الله عليه ، انتبهوا !!الأعمال بالخواتيم ، قبل ثلاث أو أربع سنوات تابت إمرأة أظن راقصة مشهورة أسأل الله أن يعافينا و إياكم ، تابت توبة نصوح ، فأراد الله أن يميتها ميتة حسنة كما قرأنا في الجرائد ، أتعرفون كيف ماتت ؟؟؟ و هي إمرأة حياتها كلها في الرقص و الفن ، تابت فماتت و هي ساجدة ، لا إله إلا الله !! سبحان الله!! أنا كلما تذكرت هذه القصة أخاف على نفسي و الله إني أخاف ، الإنسان لا يأمن { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } كما قال الله عز و جل ، يا أخواتي لا نغتر بما عندنا من عمل و نقول : نحن ضمنا الجنة ، امرأة حياتها كلها معاصي لكن بفضل الله عز و جل ، يسر الله لها توبة ، ماتت و هي ساجدة ، ما أحسنها من ميتة ، نسأل الله سبحانه و تعالى أن يميتنا جميعا على الإسلام و أن يحسن خاتمتنا جميعا ، تابت و هي ساجدة ، انظروا إلى فضل الله سبحانه و تعالى ، إذن لا يستهزئ الإنسان بالعاصي و يقول هذا عاصي من أهل النار ، لا ، لا نحكم على أحد بجنة أو نار بل نخاف على أنفسنا ، لكنا ندعوا له بالهداية ، إذا رأينا إنسان عاصي ، نقول الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به و نقول يا ربي اهده ، يا ربي اهدها ، فنكسب الأجر من ذلك ، المقصود من الكلام غيبة العاصي مشهورة عند الناس ، يغتابون العاصي و يتكلمون عنه و يتكلمون في شأنه و يتكلمون في عرضه ، نسأل الله السلامة و العافية ، فهذا أيضا من الغيبة ...

أم البنات
08-07-2008, 10:27 PM
نأتي إلى نقطة ثانية و هي نقطة مهمة :


ما هي الأمور التي تباح من الغيبة ؟؟؟ ما الذي يباح من الغيبة ؟؟؟.


نحن قلنا الآن الغيبة محرمة بإجماع العلماء ، الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب بإجماع العلماء هناك أمور مستثناة ، يعني ليست من الغيبة أو يقال : أمور تباح ، و قد ألف الشوكاني رسالة مختصرة جيدة و أظن هي مشهورة جدا ، و إذا وجدتموها تستفيدون منها جيدا ، كتيب صغير اسمه : " رفع الريبة فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة " . و ذكر رحمه الله بيتين من الشعر قال :

القدح ليس بغيبة في ستة ***** مُتَظَلِّم و مُتَعّرِّف و مُحَذِّرِ

و لِمُظْهِر فسقا و مُسْتَفْتٍ و مَنْ *** طلب الإعانة في إزالة مُنْكَرِ

هذه ستة أمور و يُقاس عليها مثلها ، لنشرح واحدة واحدة ، القدح ليس بغيبة في ستة


الأمر الأول : متظلم ، ما معنى متظلم ؟؟؟ يعني شخص يذهب إلى القاضي فيتظلم ، يعني يقول : فلان ظلمني ، و فلان ... فهو يتكلم عن شخص في غيبته هذه من الغيبة المباحة الجائزة ، لأنه ليس مراده من أن ينقص من هذا الشخص ، إنما مراده أن يبين الظلم الواقع عليه ، هذه الأولى ...



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif




الأمر الثاني : و مُعرِّف يعني شخص معروف بشيئ في خلقته ، أعمى ، أعرج ، يعني لا يعرف إلا بذلك ، فإذا جلسنا في مجلس قال : أتعرفون فلانا ، قلنا من فلان ؟ قال : فلان الأعمى و هو لا يريد أن ينتقص من هذا الشخص إنما معروف بأنه الأعمى أو فلان الأعرج ، هذا ليس من الغيبة إلا في حالة واحدة إذا نوى الإنسان في قلبه التنقص من هذا الشخص ، و لذلك في رواة الحديث تعرفون هناك الأعرج ، و هناك الأعمش ، و هناك الأحنف و هو الذي في ساقه عوج ، و هناك الأعشى ، فهذه أمور وصف بها أشخاص و كانت سببا لمعرفة الناس بهم ، إذن فهذه ليست من الغيبة و هي تعريف ، أو فلان القصير و لا أقصد بها الغيبة إنما أقصد بأنه معروف بأنه قصير ، لكن لو كان في نيته التنقيص لكانت غيبة ، و هذا حصل من السيدة عائشة رضي الله عنها و تعرفون غيرة النساء الضرات و هذا من فطرة المرأة ، قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه و سلم : " حسبك من صفية أنها كذا و كذا ، (( تعني قصيرة )) قال النبي صلى الله عليه و سلم : لقد قلت يا عائشة كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ".


هذا من شدة إنكار النبي صلى الله عليه و سلم عليخا ،و أن هذا يعتبر من الغيبة ، و كانت عاشة رضي الله عنها صغيرة لا تعرف الأمور ، فبين لها النبي صلى الله عليه و سلم ...
فإذا كان الإنسان معروفا بأنه قصير فلا بأس و إن كانت النية غير ذلك فهي غيبة ، هذه الثانية .



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif




الأمر الثالث : و محَدِّرِ : يعني التحذير من أهل الشر ، كالتحذير من أهل الضلال و أهل البدع و نحو ذلك ، فأنا أحذر من شخص أنه مبتدع ضال ، شره عظيم ، فذا جلست في مجلس أقول : يا جماعة انتبهوا احذروا من شر هذا عنده أخطاء في العقيدة ممكن تفسد عقائدنا ، ممكن تفسد أخلاقنا ، ممكن تفسد كذا ، فأنا الآن أريد أن أحذر فقط و لا أريد أن أنتقص من هذا الشخص ، فهذا التحذير ليس من الغيبة .


http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif





الأمر الرابع : و لِمُظْهِر فِسْقا : المجاهر بالمعصية ، شخص مجاهر بالمعصية فأنا أتكلم فيه ليس من باب أني أتكلم عليه من باب التنقيص منه لكن لتنبيه الناس بخطورة المعصية و تحذيرهم من ذلك ، و لذلك قلنا : و لمظهر فسقا ، و لم نقل فاسقا ، لأن الإنسان العاصي بنفسه ستر الله عيه فنستر عليه ، أما المُجاهر فلابد من التنبيه و التحذير ،

و لذلك ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " كل أمتي مُعافى إلا المُجاهرين ،وإن من الجهار أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله تعالىفيقول : عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ، ويصبح يكشف ستر الله عنه " . يعني الله عز و جل يعافي ، يستر الإنسان الذي عصى ، لكن شخص يستره الله عز و جل ثم يجهر بالمعصية ، يعصي بالليل ثم يأتي بالنهار و يقول فعلت كذا و كذا ، نسأل الله السلامة و العافية فهذا المجاهر إذا تُكُلِّم فيه من أجل التنبيه على المعصية فهذا ليس فيه شيء هذا الرابع .



الأمر الخامس : و مُسْتَفْتٍ : شخص حصلت بينه و بينك مسألة ، مثلا بينه وبين زوجته قضية معينة ، بينه و بين جاره ، بينه و بين زميله ، قضية يحتاج فيه فتوى شرعية ، فيذهب إلى شيخ من أهل العلم فيقول له : حصل كذا و كذا و فلان قال لي كذا و كذا ، فهو تكلم عن فلان من أجل البيان ، حتى يعرف الفتوى و الجواب الشرعي ، هذا ليس غيبة لأن المقصود به إخبار أو بيان الحُكْم الشرعي ، هذا الخامس ...



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif




الأمر السادس : و من طلب الإعانة في إزالة مُنْكَرِ ، يعني أن يتكلم الإنسان لدفع منكر ، رأى منكرا في بيت مثلا فيذهب إلى الشرطة و يقول : فيه منكر فيه شرب الخمر الآن ، يعني يُنَبِّه ، فهو قد تكلم عن شخص واقع في منكر ، فهذا ليس من الغيبة ، نقول من الغيبة المباحة ...


إذن هذه ستة أمور تباح فيها الغيبة ، قلنا : 1/التَّظَلُّم يعني يذكر الإنسان الأمر الذي ظلم فيه للقاضي ،2/ التعريف يعني يكون الإنسان معروفا بأمر قد يكون فيه تنقيص لكن مباح ، كالأعرج و غير ذلك ، 3/ التحذير من ذي شر ، 4/ من يجاهر بالمعصية ، التنبيه بخطورة المعصية ،5/ و المستفت ، 6/ من طلب الإعانة على إزالة منكر، هذه ستة أمور يعني يجوز فيها الغيبة لكن انتبهوا ، و نحن نتكلم في الغيبة المباحة ، لابد أن نراعي أربعة أمور :

1/ إخلاص النية لله عز و جل ، هذا الذي يريد أن يذكر شخصا من باب الإستفتاء أو من باب التظلم أو من باب التحذير و نحو ذلك ، لابد أن يسأل نفسه سؤالا لماذا أتكلم ؟؟؟ هل هو للنيل من هذا الشخص و التنقيص منه ؟؟؟ أم لله سبحانه و تعالى ، إن كان المقصود النيل من هذا الشخص و التنقيص منه فهذا آثم حتى و إن كان من باب التعريف أو من باب الإستفتاء أو من باب التظلم ، إذن لابد أن يكون الباعث عن هذه الغيبة المباحة هو الإخلاص لله عز و جل ، إظهار الحق ، بيان الأمر الصحيح هذا هو ، أما المبالغة في ذلك و الطعن في هذا الشخص فهذا لاشك أنه من الحرام .

أم البنات
08-09-2008, 02:40 PM
2/ أن الإنسان لا يُعَيِّن هذا الشخص ما أمكنه ذلك ، عدم التعيين إذا استطاع ، مثلا إذا جاء إلى القاضي و قال ظلمني فلان بدون ذكر إن استطاع فهذا هو الأفضل ، و إن قال القاضي لابد أن نعرفه يذكره ، إذا كانت القضية قضية تعريف ، إذا كان أيضا من باب الإستفتاء ليس هناك داعي أن يقول فلان كذا ، كذا ، المهم أن يعرف أن القضية حصلت و يُعطيه الفتوى ، فنقول إن استطاع أن لا يذكر اسمه فهو أولى ، هذا هو الأفضل .


http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif



3/ أن يذكر ما في هذا الشخص دون زيادة تماما ، أن يذكر ما في هذا الشخص دون زيادة ، عرفنا من خلال هذه الأمور الستة أن فيها مصالح ، المجاهر بالمعصية أنا أقول يا جماعة انتبهوا ، احذروا من فلان هذا ضال ، مضل ، هذا صاحب بدعة ، ينشر المعاصي ، هذا صاحب خمر و مخدرات ، إلى الآن طيب ، لكن لما أزيد و أتي بعيوب في شكله أو في عرضه أو في أهله ، هنا وقع المحظور ، الزيادة هذه حرام و لا تجوز ، و هذا للأسف يقع فيها غالب من يتكلم بهذه الغيبة المباحة ، إذن هناك حدود حتى في بعض الضرورات بعض العلماء يقول : الضرورة تقدر بقدرها .

شرعنا الحكيم منضبط خارج الموضوع لكن فيه فائدة ، لما الإنسان الآن في البر و يكاد يموت من الجوع و ليس عنده إلا لحم خنزير مثلا أو عنده ميتة فهو يأكل ، لكن هل يجوز له أن يزيد و يشبع ؟؟؟ لا يجوز ، إنما يأكل ما يسد الرمق ، لذلك قال الله عز و جل : { فمن اضطر غير باغ ٍو لا عادٍ ...} يعني لا يبغي فيزيد في الطعام ، و لا عاد ، يعني يعتد على غيره ، بطعام غيره و هو غير محتاج ، المقصود أن الضرورة تقدر بقدرها مع أنه جاز له أن يأكل الحرام ، إذن نقول إذا جاز لك الشرع أن تتكلم في هذا الشخص فلا تزيد فتقع في المحرم ...



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif



4/ تقدير المصلحة و المفسدة ، أن يتأكد الإنسان أن من وراء هذه الغيبة المباحة مصلحة و ليس مفسدة ن أحيانا الإنسان يتكلم و يتسبب هذا الكلام الذي هو ظاهر الصحة ، يعني جائز ، يتسبب في مفسدة أعظم مثلا من باب التعريف قلنا أعمى أو أعرج جائز قلنا إذا كان معروف بذلك ، في المجلس نفسه جالس مثلا قريب لهذا الأعمى أو هذا الأعرج و إذا سمع هذه الكلمة يتأثر و قد يغضب ، و قد يتكلم فتحصل مفسدة هنا ينبغي للإنسان أن يراعي هذا الكلام و لا يذكر هذا الشخص و لا يقول الأعمى و إن كان معروف بأنه أعمى حتى لا يجرح مشاعر أهله الموجودين في هذا المجلس ، و هنا تقدير المصلحة و المفسدة لأنه قد يكون مفسدة أعظم من هذه ، و العلماء دائما يقولون : درء المفاسد أولى من جلب المصالح . و هذه القضية لا يفهمها حق الفقه إلا العلماء الكبار ، قضايا المصالح و المفاسد هذه الأمور عظيمة ، العلماء يقولون : إذا كان فيه مصلحة قد تؤدي إلى مفسدة لا نفعل المصلحة هذه ، و إن كانت مصلحة أمر خير ، امر طيب لكن أدت إلى مفسدة تصبح هذه المصلحة محرمة و هي في الأصل مفيدة و شرعية و مستحبة بل قد تكون واجبة و لا تستغربون ذلك ، و أدلة ذلك أكثر مما تحصى ، منها قول النبي صلى الله عليه و سلم لعائشة رضي الله عنها : " لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة و لبنيتها على قواعد إبراهيم ".

انتبهوا ، تعرفون أن الكعبة الآن ليست مبنية على قواعد إبراهيم لأنه إذا كانت على قواعد إبراهيم الكعبة لا تكون مربعة بل تكون مستطيلة ، تعرفون الحجر الذي يسمونه الناس خطرا ،( حِجْر إسماعيل ) و هذا خطأ يسمى حِجْر فقط هذا الحجر ليس كله من الكعبة ، بداية التقوس هنا نهاية الكعبة فتصبح الكعبة مستطيلة هذه هي الكعبة و هذه هي قواعد إبراهيم ، إن شاء الله من لم يرى الكعبة نسأل الله أن يرزقها في أقرب فرصة زيارة بيت الله الحرام ، أهل مكة لما هدمت بالسيل أرادوا أن يبنوا الكعبة فقَصُرَت بهم النفقة كفار قريش ، فما استطاعوا أن يبنوها على قواعد إبراهيم و بنوها الكعبة المكعبة الآن ووضعوا هذا الحجر لبيان أن هذا داخل الكعبة و هذه تعتبر من الكعبة ، فلما جاء عبد الله ابن الزبير سمع قول النبي صلى الله عليه و سلم : " لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة و لبنيتها على قواعد إبراهيم " فلما جاء عبد الملك بن مروان هدم الكعبة .
فلما جاء الإمام مالك قيل له : أنهدمها و نرجعها ، قال : لا ، لا تكون الكعبة لعبة بأيدي الملوك . الشاهد هدم الكعبة و بنائها على قواعد إبراهيم قضية مهمة بل هي واجب من الواجبات ، لذلك النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة " فترك النبي صلى الله عليه و سلم واجب من الواجبات هو إرجاع الكعبة على قواعد إبراهيم لما ؟؟؟ لأنه يعرف أن القوم حديث عهد بكفر و قد ينزعجوا من هدم الكعبة بيت الله الحرام ، و لذلك الإمام مالك كان فقيها قال : لا حتى لا تكون الكعبة ألعوبة بيد الملوك هذا يهدم و هذا يبني ، إذن هذه القضية مهمة قضية المصالح و المفاسد ...
إذن تكلمنا عن ما يباح من الغيبة ، و أظن و الله أعلم أننا تكلمنا عن غالب المسائل المتعلقة بالغيبة ، بقي مسألة نسيتها الآن ، لكن أشير إليها في الختام ...



http://img258.imageshack.us/img258/5254/75kd3.gif



*** الغيبة لا تختص باللسان فقط ، فقد تكون بالإشارة ، فقد تكون بغمز العين و هذا واضح ، لو أن إنسان عمل إشارة فيها انتقاص لشخص و لم يتكلم بكلمة فقد وقع في الغيبة أو فعل حركة بعينيه أو بيديه أو نحو ذلك فهذه غيبة ، و هذه مهمة جدا الغيبة لا تختص باللسان ، و لذلك الله سبحانه و تعالى قال : { ويل لكل همزة لمزة } بعضهم قال : هذا الذي يهمز و يلمز ، يلمز بلسانه و يلمز بفعله أو العكس و هاذ يعد من الأمور المحرمة سواء كان بالأقوال أو كان بالأفعال . من الطامات ، نسأل الله أن يهدي جميع المسلمين تقع في القنوات الفضائية و المسلسلات و الأفلام تجدون استهزاء و غيبة و نميمة إلى آخره فهذه من الأمور التي ابتلي بها المسلمون نسأل الله للجميع الهداية ...


و بهذا نكون قد ختمنا الكلام حول الغيبة ، و سنرجع في المحاضرة القادمة لإستكمال آداب المجالس ...


نسأل الله سبحانه و تعالى أن يرزقني و إياكم الإخلاص في القول و العمل ، و أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ، و ان يجعلنا من العلماء العاملين و من الهداة المهتدين ، إنه سميع مجيب و الله تعالى أعلا و اعلم و صلى الله على نبينا محمد .