المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : ***آداب المجالس _ الجزء السادس)***


أم البنات
11-08-2008, 06:22 PM
http://img217.imageshack.us/img217/773/20040713124432fh6.gif




الدرس الحادي عشر من آداب المجالس الذي ألقاه فضيلة الشيخ د. عادل المطيرات حفظه الله يوم الخميس : 31/07/2008


*** أخطاء المجالس ***



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .
أما بعد :
فحياكم الله في هذا الدرس الأسبوعي و في حلقة من حلقات العلم الشرعي ، أسأل الله سبحانه و تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يثبتني و إياكم على دينه ، و أن يرزقنا العلم النافع و العمل الصالح إنه سميع مجيب .



http://img293.imageshack.us/img293/9273/alhawegraphiccomline252px3.gif


كنا في الدروس السابقة قد تكلمنا عن الآداب المتعلقة بالمجالس ، و ذكرنا آدابا كثيرة يعني أكثر من عشرة آداب أظن و بعض الأخطاء التي تقع في المجالس ، و آخر أمر تكلمنا عنه في درسين هو أمر الغيبة ، و أظن أننا فصلنا في هذه المعصية الكبيرة و التي هي من كبائر الذنوب و تكلمنا فيها بشئ من التفصيل ، و نكمل إن شاء اليوم الأخطاء التي يقع فيها يعض الناس في مجالسهم منها :


الـــــكـــــذب


الكذب من أعظم آفات اللسان التي ينبغي أن يحذر منها الإنسان ، فإن الكذب من كبائر الذنوب ، و إذا نظرنا في كثير من مجالس الناس و مجاميعهم نجد و للأسف الشديد الكثير من الكذب ، و القليل من الصدق ، بل إن الكذب و للأسف الشديد أصبح سمة بارزة في مجتمعات المسلمين ، و هذا يقوله الإنسان و قلبه يعتصر ألما لما آل إليه حال المسلمين اليوم ، فقد يذهب بعض الإنسان إلى بعض دول الكفر فيجد كثيرا من الأمانة و الصدق و هذا حق ينبغي أن يقال و ليس هذا مدحا في الكفار إنما هذا واقع ، فإذا رجع إلى بلاد المسلمين وجد كثيرا من الخيانة و كثيرا من الكذب ، و هذا للأسف بسبب ضعف دين الناس و ابتعادهم عن تعاليم الإسلام ، لذلك فإن الصدق و الأمانة من تعاليم ديننا الحنيف .
كثير من الناس و للأسف الشديد قد أصبح الكذب عنده سِمة و قد ألِفَ الكذب ، فلا يخجل من أن يكذب على الناس و ما يخجل في نسج الأباطيل و اختراق الأقاويل ، فلا تردعه تقوى ، أو يصده دين أو مروءة ، يحضر إلى المجلس يطلق لسانه بالكذب و يفتخر بذلك و يأتي بالقصص التي ليس لها حقيقة و يذكر ما لا يخطر على البال لـــمـــاذا ؟؟؟ حتى يكون مستظرف أمام الناس ، و يستظرف حديثه حتى يُرضى عنه في مجلسه و يُمدح و يقال هذا ماشاء الله يأتينا بنكث و هذا يُضحِكنا ، و ما يعلم هذا المسكين أنه إذا أضحك الناس بالكذب فإنه مستحق لعذاب النار ، عياذا بالله ، النبي صلى الله عليه و سلم كما صح في سنن أبي داود يقول : " وَيْلٌ له ، ويل له ، ويل له ،...".

يدعو النبي صلى الله عليه و سلم بالويل ، و الويل اختلف في تفسيره العلماء و قد قيل : (( واد في جهنم )) يدعو النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الشخص بواد في جهنم ، قالوا من هذا الشخص يا رسول الله ؟؟؟ قال : " الذي يُحَدِّث فيكذب ليُضحِك الناس ".


http://img293.imageshack.us/img293/9273/alhawegraphiccomline252px3.gif


اليوم بارك الله فيكم نجد هذا الصنف كثير ، في المجالس و المجتمعات ، إذا فتحنا القنوات الفضائية ، التلفاز ، الراديو ، تجدون الغالب هذا ما يسمى بالتنكيث و الضحك و الاستهزاء و غيرها ، و يذهب كثير من الناس إلى المسرحيات الفكاهية و يجلسون ثلاث ساعات كلها ضحك و كذب و استهزاء ، غفلة عظيمة عن دين الله سبحانه و تعالى و هذا قد ابتلي به كثير من الناس ، فيقول : " و يل له الذي يحَدّث فيكذب ليضحك الناس " . أمره خطير جدا .


و لذلك كان رسول الكريم صلى الله عليه و سلم يمزح ، لكنه لا يقول إلا حقا ، النبي صلى الله عليه و سلم لا يخترع القصص كما نفعل و يفعل الكثير منا ، لا ، يمزح النبي صلى الله عليه و سلم و لا يقول إلا حقا ، تأتيه امرأة كبيرة في السن فيقول لها : لا تدخل الجنة عجوز ، ليس هناك في الجنة عجوز ، فتبكي هذه المرأة و تقول : كيف أنا لا أدخل الجنة ، فأخبرها النبي صلى الله عليه و سلم : أن أهل الجنة كلهم يرجعون شباب في سن الثالثة و الثلاثين !! فارتاحت و ضحكت و فهمت أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يمزح معها ! انظروا إلى هذه المزحة ما أجملها و أطرفها من رسول الله صلى الله عليه و سلم .


تأتي امرأة و النبي صلى الله عليه و سلم يعرف زوجها فيقول لها : " أنت التي في عين زوجك البياض ، فتقول : لا يا رسول الله ، ليس فيه بياض ، فيقول النبي صلى الله عليه و سلم : ما من رجل إلا و في عينه بياض !!" فكل إنسان في عينه بياض ، فيداعب النبي صلى الله عليه و سلم و لكنه لا يكذب عليه الصلاة و السلام .

يركب كثير من الصحابة الناقة الكبيرة ، فيأتي شخص إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، فيقول له النبي صلى الله عليه و سلم : " أما أنت فتركب ولد الناقة ، فكأنه حزن هذا الشحص كأنه يقول : هم يركبون الناقة ، و أنا أركب ولد الناقة ، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : "و هل تلد النوق إلا النُّوق !!" يعني ولد الناقة هو ناقة أصلا ، فانظروا إلى مزح النبي صلى الله عليه و سلم ، يمزح و لا يقول إلا حقا .

لكن كثير من الناس اليوم تطاول في الكلام و بالغ فيه حتى وقع في الكذب ، و سبحان الله قد يفتخر بذلك مع أنه يكذب و يقع في كبائر الذنوب ، الكذب صفة ذميمة ، عمل مردود ، خصلة من خصال النفاق ، ، النبي صلى الله عليه و سلم يقول : " آية المنافق ثلاث ، إذا حدث كذب ، و إذا واعد أخلف ، و إذا أؤتمن خان " .متفق عليه 0

فهذا قول رسولنا صلى الله عليه و سلم ، يعني الكذب من علامات المنافق ، أيرضى الإنسان أن تكون فيه خصلة من خصال النفاق ؟ فهذا الكذب من علامات النفاق ، الكذب سبب لنزع الثقة من الكاذب و أن ينظر إليه الناس بعين الخيانة ، لا تكون مصداقية لهذا الشخص كما يقال ، الذي يكذب و يكرر الكذب لا يكون ثقة ، يعني يتكلم فلا يصدق لأنه معروف بالكذب ، فالكذب سبب لدخول النار و حرمان الجنة ، في صحيح البخاري و مسلم ، يقول النبي صلى الله عليه و سلم : " إياكم و الكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، و إن الفجور يهدي إلى النار ، و إن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا " . أمر خطير جدا ، فمن أخطر الأمور التي تكون في المجالس هو أن يكذب الإنسان و هذا الكذب يُسقِط الهمة و يُوضع النفس و المروؤة كما قيل :

وما شيء إذا فكرت فيه *****بأذهب للمروءة و الجمال
من الكذب الذي لا خير فيه ****وأبعد للبهائم من الرجال .

و لذلك قيل في ذم الكذوب : ليس الكذوب من المروءة .
هذا مما يسقط مروءة الإنسان و يسقط هيبته أنه يكذب عياذا بالله .

أم البنات
11-08-2008, 06:23 PM
من الأخطاء التي تقع في مجالسنا :

الخطأ الأول : عدم التثبت من الأخبار .

انتبهوا ، نحن اليوم نسمع ولا نتثبت ، يأتي إنسان في مجلس و يقول : سمعتم بكذا و كذا ، نقول نعم ، و نصدق !! هذا خطأ ، فقد تكون أخبار غير صحيحة فنصدق مباشرة ، لا نعلم أن هناك كثير من الناس من يكذب ، قد يتعمد الكذب ، و بعض الناس يتسرع في نشر الأخبار قبل التثبت منها أو قد يكون متثبتا منها لكن ليس هناك جدوى من نشرها ، ( ليس كل ما يُعْلَم يُقال ) كما قيل ، و كم جر هذا الأمر و هو نشر الخبر بلا تثبت من ويلات و كم أفسد من مودات و كم أغرى من عداوات ، و هذا من أعظم الغلط الفاحش ، أن الإنسان يقبل قول الناس بعضهم ببعض ثم يبني عليه أحكاما ، يعني يبني السامع حبا و بغضا و مدحا و ذما بحسب الخبر ، هذا الغلظ العظيم عاقبته الندامة ، و أصبح كثير من الناس يُشيع عمل بعض الناس و أمورا ليس لها حقيقة نهائيا و بالكلية ، فيكذب أو ينم أو يقول الزور ، فالواجب على العاقل التثبت ، و لا يعرف دين الإنسان و رزانة عقله إلا بالتثبت و عدم تصديق كل ما يقال ، و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما صح في صحيح مسلم : " كفى بالمرء كذبا أن يُحَدِّث بكل ما يسمع ".
يعني ما يصير أن الإنسان يجلس و يفتح ذهنه لكل كلام ثم ينقل ، نحن مشكلتنا نحب النقل ، نحب أن ننقل الأخبار ، خصوصا أخبار تتعلق بالدولة مثلا ، قوانين ، قرارات تمس الناس ، فيأتي الناس و يشيعونه فتصبح إشاعة بين الناس ، و قد تصبح بعض المشاكل ، و النتيجة ما هي : أن الخبر في الأصل خطأ ، ومن أذاع الخبر هو مخطئ ، كثير من المشاكل التي تقع في المجتمعات بل قد تُدمر المجتمعات هي من عدم التثبت ، يتكلم الإنسان بكلمة و يشيع إشاعة كما يقال ، ثم يقع ما لا يحمد عقباه ، لذلك أقول : ينبغي التثبت و الله عز و جل يقول : { يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...}. يعني عليكم أن تتثبتوا قبل أن تنقلوا الخبر ، و العاقل كما قلت هو من يتثبت ...
أقول لكم بارك الله فيكم إذا تُكُلم فيكم كلاما سيئا فلا تصدقوا الناقل أبدا ، لأن هذا الناقل لا يريد خيرا و الذي يريد خيرا لا ينقل الكلام إنما ينقل ما فيه خير ، و ينقل الإصلاح ، و لذلك أجاز النبي صلى الله عليه و سلم الكذب و الذي هو في الأصل محرم و من الكبائر أجازه في الإصلاح ، قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما صح في الصحيحين : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينوي خيرا " . هذا ليس كذبا لأنه يريد الإصلاح ...


http://img293.imageshack.us/img293/9273/alhawegraphiccomline252px3.gif


الخطأ الثاني : النميمة .

النميمة هي نقل الكلام على وجه التحريش ، و النميمة من أخطر ما يكون و كم أفسدت من بيوت ، و كم أفسدت من أُسَر ، و كم أفسدت من مجتمعات و ليس فقط بيوت أو أسر ، فالنميمة مُدَمِّرة ، هذا يتكلم في هذا و يقول عنك فلان كذا و كذا ثم يذهب إلى الآخر فيقول : فلان قال عنك كذا و كذا فتحصل الشحناء و البغضاء بين اثنين ، نحذر كل الحذر في مجالسنا من نقل الكلام ، أما نقل الكلام الطيب فهذا أمر من أحسن ما يكون ، و موضوع النميمة قد تكلمنا عنه سابقا و تكلمت عن قصة العبد النمام لكن أعيدها بشيء من السرعة .
كان هناك شخص يريد أن يشتري عبد في سوق المماليك في السابق ، فوجد عبدا في السوق جيد فأراد أن يشتريه من صاحبه فقال له صفات طيبة ، قيل له فيه صفة لا ندري أتقبلها أم لا قال : نمام ، قال : ليس هناك مشكلة ، فيقول : فاشترى هذا العبد به إلى البيت و أول يوم من الأيام ذهب العبد إلى زوجة هذا السيد و قال لها إن كنت تريدين أن يحبك زوجك حبا شديدا فأنا أعمل لك عمل ، قالت : كيف ، قال : خذي هذه السكين فإذا نام زوجك فاقطعي من لحيته ثلاث شعرات و أنا أعمل لك عمل يحبك مدى الحياة ، قالت : طيب ، و ذهب إلى الزوج و قال له : إن زوجتك ستأتيك بالليل بسكين و ستقتلك ، فلما جاء الليل تظاهر هذا السيد بالنوم ، فجاءت المرأة بسكين ، فعلم صدق هذا العبد ، قال : نعم تريد تقتلني ، جاءت تريد أن تأخذ من لحيته شعرات ، فمسك السكين فقتلها ، في هذا الوقت ذهب العبد إلى أهل هذه الزوجة و قال لهم : إن السيد هذا قتل ابنتكم ، و ذهب إلى أهل السيد و قال لهم : إن أهل الزوجة سيكون بينكم و بينهم تأر فأصبحت حرب بين القبيلتين !!!


ما هو السبب بارك الله فيكم ؟؟؟ ما الذي تسبب في الحرب بين قبيلتين كبيرتين ؟؟؟ من أشعل هذه الحرب ؟؟؟.


شخص واحد ، ماذا فعل ؟ نقل الكلام ( النميمة ) ذهب إلى هذا و ذهب إلى هذه ، فانظروا إلى خطورة النميمة .
كل واحدة فيكم تنظر إلى أهلها و إلى بيتها و في مجتمعها ستجد قصصا كثيرة حول هذا الموضوع ، نقل الكلام ، كم أفسدت النميمة من أسر ، و كم أفسدت بين أحبة ، أفسدت فسادا عظيما و أنتم تعيشون في كل مجتمعات المسلمين و ترون هذا الأمر الخطير جدا ...

بعض الناس بارك الله فيكم قد لا يقصد ، لكنه مخطئ خطأ عظيم ، قد لا يكون فيه داعي التحريش لكنه ينقل الكلام ، أقول احذروا حتى و لو لم يكن عنده دافع للتحريش بين الناس ، فنقل الكلام أمره خطير جدا ، إن كان عند خير انقل الخير ، و إن كان أمرا يولد الشخناء و الكره فيجب البعد عنه فهذا من أخطر الأمور .

و النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبرين في الحديث الذي تعرفونه جميعا كما في الصحيحين قال : " إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير ، بلى إنه كبير ، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول ، و أما الآخر فكان يمشي بالنميمة " .

و قال النبي صلى الله عليه و سلم كما في الصحيحين : " لا يدخل الجنة قتات " . أي نمام . إذن قضية النميمة قضية خطيرة جدا ...



http://img293.imageshack.us/img293/9273/alhawegraphiccomline252px3.gif


الخطأ الثالث : رفع الصوت

تجد بعض الناس يجلس في المجلس و صوته عالي ، و يتحدث بصوت مرتفع ، و الإنسان الوقور صاحب المروءة لا تكاد تسمع منه الكلام إلا همسا ، تكون عنده شيء من الهيبة و الوقار ، فرفع الصوت ينافي أدب الحديث ، فالله سبحانه و تعالى قال في قصة لقمان وهو يعِض ابنه " { يا بني أقم الصلاة و اأمر بالمعروف و انه عن المنكر و اصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ، واقصد في مشيك و اغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } .

ابن كثير في تفسير هذه الآية يقول : و اغضض من صوتك أي لا تبالغ في الكلام و لا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه ، و لهذا قال : { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }.

قال مجاهد : إن أقبح الأصوات لصوت الحمير ، أي غالبا من يرفع صوته يشبه بالحمير في علوه و رفعه و مع هذا بغيض إلى الله سبحانه و تعالى ...
أنتم بارك الله فيكم كلكم إن شاء الله دعاة إلى الله سبحانه و تعالى ، نحن ندعوا الناس بالأخلاق الحسنة قبل أن ندعوهم بالكلام ، الأخلاق الحسنة أن الإنسان يتكلم بهدوء ، أما هذا الشخص الذي يصرخ و يصيح بالناس فهذا لا يقبل عند الناس ، دائما الذي يتكلم بهدوء يكون مؤثرا عند الناس ...

أم البنات
11-08-2008, 06:24 PM
الخطأ الرابع : الشدة ، الغِلظة في الكلام .

بعض الناس فعلا و للأسف الشديد صاحب غلظة ، إذا خاطب الناس أغلظ لهم في القول عنده عنف ، عنده شدة ، لا أقصد بالعنف الضرب لكن الكلام الشديد كما قال سبحانه و تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك ...} فهذا رسولنا صلى الله عليه و سلم الله عز و جل يقول له ربه هكذا .


فهذا السلوك لا ينبغي لأنه يفضي إلى شر ، و يفضي إلى عداوة و بغضاء و لذلك الذي يتكلم كما قلنا بهدوء و بلين هذا مقبول عند الناس ، الكلام الطيب ينبغي أن يكون مع الجميع ، يعني حتى مع الأعداء ينفع ، و قد تلين قلوب الأعداء أو العصاة بسبب اللين في الكلام ، و لذلك الله سبحانه و تعالى لما بعث خير الناس في زمن موسى على السلام إلى شر الناس فرعون ، قال تعالى : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } .

و الله لو نتفكر في هذه الآية نعرف قلة عقول الكثير من المسلمين اليوم و بعدهم عن الأخلاق النبيلة ، شر الناس فرعون ، خير الناس موسى في عصره ، طاغية جبار ادعى الألوهية والربوبية و مع ذلك الله عز و جل يقول : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } .ممكن الإنسان يتذكر و يخشى بالقول اللين ، و قال في الآية الأخرى : { اذهب إلى فرعون إنه طغى ، فقل هل لك إلى أن تزكى }

شوفوا التلطف في العبارة ، شوفوا أسلوب القرآن ، ما قال له تزكى و أمره ، و ابن القيم رحمه الله له كلام طيب في بدائع الفوائد يقول :
تأمل امتثال موسى لما أمر به ، كيف قال لفرعون : { هل لك إلى أن تزكى و أهديك إلى ربك فتخشى } فأخرج الكلام معه مخرج السؤال لا مخرج الأمر ، و قال : إلى أن تزكى و لم يقل إلى أن أزكيك ، فنسب الفعل إليه هو ، و ذكر لفظ التزكي لما فيه من البركة و الخير و النماء ، ثم قال : { و أهديك } يعني أكون كالدليل بين يديه الذي يمشي أمامه و قال : { ربك } هذا يستدعي إيمانه بربه الذي خلقه و رباه صغيرا و كبيرا .
فالمقصود أن الإنسان يتكلم بلين حتى مع الأعداء ، أما مع الأصدقاء فلابد من الكلام الطيب ، الهين ، اللين ، يحفظ مودتهم ، و يستديم صداقتهم ، و يمنع الشيطان أن يوقع بينهم و أن يفسد ذات بينهم ، أكثر ما يحرص عليه الشيطان تجاه بني آدم أن يوقع بينهم العداوة و البغضاء ، فكيف جعل الله سبحانه و تعالى الكلام اللين حتى بين الأعداء ، يقول الله سبحانه و تعالى : { و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم ، إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } .


قل لعبادي } ما قال : يقولوا الكلمة الحسنة ، قال : { يقولوا التي هي أحسن } يعني أحسن الكلام يتكلمون فيما بينهم ، و يحذر من خطورة العنف و الغلظة و الشدة في الكلام ، قال : { إن الشيطان ينزغ بينهم } انتبهوا إذا حصلت الشدة و العنف بين الناس ينزغ الشيطان ....
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : يأمر تبارك و تعالى عبده و رسوله صلى الله عليه و سلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخابراتهم و محاوراتهم الكلام الحسن ، و الكلمة الطيبة ، فإنه إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم ، و أخرج الكلام إلى الفعال ، ووقع الشقاق و المخاصمة و المقاتلة ، فإنه عدو لآدم و ذريته من حين امتنع من السجود لآدم ....
إذن هذا قول حسن و قول طيب ، لين الكلام لاشك أنه ينفع ، و هكذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتكلم ، كان لينا ، كان يقول النبي صلى الله عليه و سلم كما صح في سنن أبي داود : " إن الله رفيق يحب الرفق ، يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ". و كان يقول صلى الله عليه و سلم كما صح في المسند : " حرم على النار كل هيِّنٍ لين سهل ، قريب من الناس "
و هذا حديث يستلطفني كثيرا ، أين نحن من هذه الصفات : لين ، و سهولة ، و رفق ، و قرب من الناس ، خصوصا أهل الدين و الصلاح ، المتدينين ، المتدينات ، الدعاة ... نحن أحوج إلى هذه الأخلاق لدعوة الناس ...
انظروا إلى إبراهيم الخليل عليه السلام كيف يخاطب أباه كما في سورة مريم ، بكل عطف و لين و رفق ما فيه شدة مع أن أباه كان كافرا مشركا ، يقول : { يا أبت لما تعبد ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنك شيئا ، يا أبت إني قد جائني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا ، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان و ليا }.

كلمة يا أبت ، انظروا إلى اللين و الرقة في هذه الكلمة ، ذكر هذه الأبوة يدل على توقير إبراهيم عليه السلام لأبيه ، لم يسمه باسمه ، بل قال له : يا أبت ، ثم يتكلم بطريقة السؤال : {لما تعبد ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنك شيئا } ما قال له : لا تعبد كذا ، انظروا إلى الفرق ، و قال : { يا أبت إني قد جائني من العلم ما لم يأتك ... } و لم يقل إنك جاهل ، سبحان الله شوفوا أسلوب القرآن ، و الله إن الذي يقرأ القرآن يتعلم أسلوب الحديث مع الناس ، التأثير مع الناس ....
المقصود أن الكلام بالتلطف و الرفق بين الناس أمر طيب ، و أن الإنسان ينبغي أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه و سلم في ذلك فلا يكون في كلامه شدة و غلظة ، بل يكون فيه اللين ، و إذا كان عندنا في مجالسنا الأمر الطيب و الكلام اللين و الرفق في القول ، ستكون مجالسنا مجالس مودة ، مجالس خير و مجالس تعاون على البر و التقوى ، وليست مجالس حقد و غيبة و نميمة و شر ، فننتفع بهذا المجلس فيكون مجلسا مباركا 0

أسأل الله سبحانه و تعالى أن يوفقني و إياكم للعلم النافع و العمل الصالح ، و أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين و لا مضلين ، و أن يرزقنا العلم النافع و أن يغفر لنا و لوادينا و لجميع المسلمين إنه سميع مجيب ، و الله تعالى أعلى و أعلم و صلى الله على نبينا محمد ...

منى سالم
11-10-2008, 12:24 PM
جزاكى الله خيرا يا أم البنات و بارك الله لكى فى بناتك