المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : محبة النبي صلى الله عليه وسلم


أمة الرحمن
05-04-07, 12:21 PM
الحديث عن محبته عليه الصلاة والسلام متعة عظيمة! أما الألسنة فتترطب بذكره والصلاة عليه، وأما الآذان فتتشنف بسماع سيرته وهديه وحديثه، وأما العقول فتخضع لما ثبت من الحكم والسنة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، وأما الجوارح والأعضاء فتنتفع وتتمتع بموافقة هديه وفعله وحاله صلى الله عليه وسلم.
أولاً: مفهوم المحبة:
المحبة كما قال ابن القيم: "المحبة لا تُحَدُّ -أي لا يذكر لها تعريف- إذ هي أمر ينبعث بنفس يصعب التعبير عنه".قال النووي رحمه الله في كلمة جميلة: وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال الجلال، وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياه إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم والإبعاد من الجحيم.. فإن نظرت إلى وصف هيئته صلى الله عليه وسلم فجمال ما بعده جمال، وإن نظرت إلى أخلاقه وخلاله فكمال ما بعده كمال، وإن نظرت إلى إحسانه وفضله على الناس جميعًا وعلى المسلمين خصوصًا فوفاء ما بعده وفاء.
فمن هنا: تعظم محبته صلى الله عليه وسلم ويستولي في المحبة على كل صورها وأعظم مراتبها، وأعلى درجاتها، فهو صلى الله عليه وسلم الحري بأن تنبعث محبة القلوب والنفوس له في كل لحظة، وفي كل تقلبات حياتنا؛ ولذلك ينبغي أن ندرك عظمة هذه المحبة، وهنا وقفة نتمم بها هذا:
فنحن نتعلق ونرتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم من جوانب شتى: في جانب العقل معرفة وعلمًا، نقرأ ونحفظ سيرته وحديثه وهديه وسنته، والواجب منها والمندوب منها ونحو ذلك. ومحبة بالقلب، وهي عاطفة مشبوبة، ومشاعر جياشة، ومحبة متدفقة، وميل عاصف تتعلق به النفس والقلب برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية.
ثم محبة بالجوارح تترجم فيها المحبة إلى الاتباع لسنته وفعله عليه الصلاة والسلام، فلا يمكن أن نقول إن المحبة اتباع فحسب! فأين مشاعر القلب؟ ولا يصلح أن نقول إنها الحب والعاطفة الجياشة، فأين صدق الاتباع؟ ولا ينفع هذا وهذا! فأين المعرفة والعلم التي يؤسس بها من فقه سيرته وهديه وأحواله عليه الصلاة والسلام؛ لذا فنحن نرتبط في هذه المحبة بالقلب والنفس، وبالعقل والفكر، وبسائر الجوارح والأحوال والأعمال، فتكمل حينئذ المحبة؛ لتكون هي المحبة الصادقة الخالصة الحقيقية العملية الباطنية، فتكتمل من كل جوانبها؛ لنؤدي بعض حق رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا.
ثانيًا: حكم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:هي واجبة على كل مسلم قطعًا، والأدلة على ثبوت وجوبها كثيرة، ومن ذلك قول الله سبحانه الذي جمع في آية واحدة كل محبوبات الدنيا، وكل متعلقات القلوب، وكل مطامع النفوس ووضعها في كفةٍ، وحب الله، وحب رسوله في كفةٍ: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24).
قال القاضي عياض رحمه الله: "فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم؛ إذ قرّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، ثم فسّقهم بتمام الآية فقال: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله عز وجل. فهذه آية عظيمة تبين أهمية ووجوب هذه المحبة.
ويأتينا دليل عظيم وبليغ في قول الحق: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ...} (الأحزاب: 6).وبين ابن القيم الدلالة على وجوب المحبة في هذه الآية من وجوهٍ كثيرة ضمنها أمرين:الأول: أن يكون أحب إلى العبد من نفسه: لأن الأولوية أصلها الحب ونَفْسُ العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به منها، أي أولى به من نفسه وأحب إليه من نفسه، فبذلك يحصل له اسم الإيمان، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم، وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على ما سواه.
وأما الجانب الثاني: ألا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً: بل الحكم على نفسه لرسول صلى الله عليه وسلم، يحكم عليه أعظم من حكم السيد على عبده، أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه تصرف إلا ما تصرف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أولى به من نفسه، أي بما جاء به عن الله عز وجل، وبلغهم من آياته وأقامه ونشره من سنته صلى الله عليه وسلم.
وقوله سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ...} (آل عمران: 31). من الأدلة العظيمة الشاهدة على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا نزاع في أن محبة الله واجبة، وأن اتباع النبي ومحبته طريق إلى محبة الله. والآيات أكثر من أن تحصر في هذا المقام.
وأما أحاديثه صلى الله عليه وسلم فصريحة في الدلالة على وجوب هذه المحبة، ومن ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" رواه البخاري ومسلم.
وكذلك قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي"، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ". فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "فَإِنَّهُ الْآنَ، وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي"، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْآنَ يَا عُمَرُ" رواه البخاري.وقول عمر الأول بمقتضى الأصل الطبعي في الإنسان أن أحب شيء إليه نفسه، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالمصطلح الإيماني أقرّ عمر بأنه بالمعنى الإيماني يفضل النبي، ويحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، فقال له حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْآنَ يَا عُمَرُ".
ثم إن حبّ الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار -كما ذكر الخطابي-؛ ولذلك عمر جوابه الأول ذكر الطبع، ثم بعد ذلك ذكر الاختيار الذي هو مقتضى الإيمان.
ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين:
أحدهما: فرض، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته، وبعثته، وتلقي ما جاء به بالمحبة والقبول، والرضا والتسليم.
ودرجة ثانية هي: محبة مندوبة، وهي تقصي أحواله ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة.
ومن الأدلة كذلك: قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" رواه مسلم.
ومن الأدلة كذلك: حديث جميل رائع، قال فيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ" رواه مسلم.
فكلنا محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وجوبٍ، ومحبة اختيارٍ وتعظيمٍ له عليه الصلاة والسلام، وأمر هذا الوجوب لا يحتاج لأدلة، فلعلنا ندرك عظمة هذا الوجوب عندما ندرك هذه النصوص الواضحة في أن محبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة النفس التي بين جنبيك، وأنفاسك التي تتردد، وقلبك الذي يخفق، فضلاً عن محبة الزوج والأبناء، أو الأمهات والآباء، فما أعظم هذه المحبة التي هي أعظم محبة لمخلوقٍ من بني آدم في الدنيا، وفي الخليقة كلها، وهي التي استحقها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ووجبت على كل مؤمن بالله سبحانه.
** من محاضرة: "محبة النبي صلى الله عليه وسلم" للشيخ علي بن عمر بادحدح، أستاذ مشارك بجامعة الملك عبد العزيز- السعودية.

هاديا
10-04-07, 08:07 PM
اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عملا يقربنا اليك

آمـــين

متميزة غاليتي امة الرحمن :)

ومن تميز لآخــــر

رعــــاك الله

أم البنات
10-04-07, 10:28 PM
السلام عليكم و رحمة الله
جزاك الله خيرا غاليتي على ما خطت يمينك ،

يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به منها، أي أولى به من نفسه وأحب إليه من نفسه، فبذلك يحصل له اسم الإيمان، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم، وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على ماسواه.

بـــــــــــــــــــــــــــارك الله فيك

أم خالد
11-04-07, 12:09 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ماشاء الله موضع قيم ومفيد اختى الغاليه امة الرحمن
جزاك الله خيرا واثابك الله الفردوس الاعلى آمين يارب
وفى حفظ الله اختى

قمورة
25-04-07, 01:19 PM
فعلا اختي لو ان الامه صدقت باتباعها للرسول صلى الله عليه وسلم
لعافاها الله من كل بلاء بها
جزاك الله خيرا عهلى موضوعك الرائع اختي
تقبلي مروري