Click to Visit
تجميع دروس دورة ✿.: بداية المتفقه(الصلاة):.✿ (اخر مشاركة : مــسلمة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الدرس(2) دورة: بداية المتفقه (سنن الاذان) (اخر مشاركة : مــسلمة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الدرس(1) دورة: بداية المتفقه (تعريف الصلاة ـ الأذان وشروط صحته) (اخر مشاركة : مــسلمة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          سوء الظن ورطة (اخر مشاركة : خادمة الدعوة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          سمكة القرش سبحان الله !!! (اخر مشاركة : مــسلمة - عددالردود : 1 - عددالزوار : 2 )           »          مكرونة بكرات اللحمItalian Meatball Pasta with tomato sauce من مطبخى بالصور (اخر مشاركة : عـابرة سبيل - عددالردود : 2 - عددالزوار : 3 )           »          جوارب رائعة للبيبى مع طريقة العمل المصورة (اخر مشاركة : عـابرة سبيل - عددالردود : 2 - عددالزوار : 1893 )           »          المصحف الجامع (اخر مشاركة : مــسلمة - عددالردود : 1 - عددالزوار : 2 )           »          الدرس 28 (شرح الأصول الثلاثة)(الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه و سلم) (اخر مشاركة : مــسلمة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الدرس الرابع عشر (اخر مشاركة : مــسلمة - عددالردود : 1 - عددالزوار : 2 )           »         

للتسجيل فى الغرفة ادخلي على الياهو واضغطي على صورة الياهو بالأسفل (في حالة عدم تواجدنا اتركي رسالة ونجيبك عند دخولنا)

حيا الله زوارنا و أعضائنا الكرام للوصول إلى الغرف الصوتية لتعلم العلوم الشرعية و حفظ القرآن ✿يرجى الضغط على أسماء الغرف أعلى المنتدى✿ و للتسجيل في الغرف من خلال التواصل معنا على اسكايب بالضغط على أيكونة سكايب أسفل صفحة الغرفة✿أو من خلال تسج حياكن الله معنا في الغرف الصوتية


 
العودة   منتديات خوات الإسلام > منتدى العقيدة اشراف الأستاذة كريمة الخطيب > علم العقيدة والتوحيد(يسمح بالردود فقط)
 

علم العقيدة والتوحيد(يسمح بالردود فقط) اشراف الأستاذة كريمة الخطيب



بحث عن:

الإهداءات

 
كاتب الموضوع كريمة الخطيب مشاركات 0 المشاهدات 1215  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع طرق عرض الموضوع
المشاركة السابقة   المشاركة التالية
قديم 18-05-10, 03:49 AM   #1
هيئة التدريس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 124
موقف أهل السنة من كرامات الأولياء

الباب الرابع: موقف أهل السنة من كرامات الأولياء

ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء.
فبين المؤلف رحمه الله قول أهل السنة فيها بقوله:

" ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء".
فمن هم الأولياء؟

والجواب: أن الله بينهم بقوله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}[يونس:62-63]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " من كان مؤمناً تقياً، كان لله ولياً " .

ليست الولاية بالدعوى والتمني، الولاية إنما هي بالإيمان والتقوى، فلو رأينا رجلاً يقول: إنه ولي ولكنه غير متق لله تعالى ، فقوله مردود عليه.

أما الكرامات، فهي جمع كرامة، والكرامة أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى علي يد ولي، تأييداً له، أو إعانة، أو تثبيتاً، أو نصراً للدين.

فالرجل الذي أحيا الله تعالى له فرسه، وهو صلة بن أشيم، بعد أن ماتت، حتى وصل إلى أهله، فلما وصل إلى أهله ، قال لابنه: ألق السرج عن الفرس، فإنها عرية! فلما ألقي السرج عنها، سقطت ميتة. فهذه كرامة لهذا الرجل إعانة له.

أما التي لنصرة الإسلام، فمثل الذي جرى للعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه في عبور ماء البحر، وكما جرى لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في عبور نهر دجلة، قصتها مشهورة في التاريخ.



فالكرامة أمر خارق للعادة.
أما ما كان على وفق العادة، فليس بكرامة.

وهذا الأمر إنما يجريه الله علي يد ولي، احترازاً من أمور السحر والشعوذة، فإنها أمور خارقة للعادة، لكنها تجري على يد غير أولياء الله، بل على يد أعداء الله، فلا تكون هذه كرامة.

وقد كثرت هذه الكرامات التي تدعى أنها كرامات في هؤلاء المشعوذين الذين يصدون عن سبيل الله ، فالواجب الحذر منهم ومن تلاعبهم بعقول الناس وأفكارهم.

فالكرامة ثابتة بالقرآن والسنة، والواقع سابقاً ولاحقاً.

فمن الكرامات الثابتة بالقرآن والسنة لمن سبق قصة أصحاب الكهف، الذين عاشوا في قوم مشركين، وهم قد آمنوا بالله، وخافوا أن يغلبوا على آمرهم، فخرجوا من القرية مهاجرين إلى الله عز وجل، فيسر الله لهم غاراً في جبل، وجه هذا الغار إلى الشمال، فلا تدخل الشمس عليهم فتفسد أبدانهم ولا يحرمون منها، إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوة منه، وبقوا في هذا الكهف ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً، وهم نائمون، يقلبهم الله ذات اليمن وذات الشمال، في الصيف وفي الشتاء، لم يزعجهم الحر، ولم يؤلمهم البرد، ما جاعوا وما عطشوا وما ملوا من النوم. فهذه كرامة بلا شك، بقوا هكذا حتى بعثهم الله وقد زال الشرك عن هذه القرية، فسلموا منه.

ومن ذلك قصة مريم رضي الله عنها، أكرمها الله حيث جاءها المخاض إلى جذع النخلة، وأمرها الله أن تهز بجذعها لتتساقط عليها رطباً جنياً.

ومن ذلك قصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثة، كرامة له، ليتبين له قدرة الله تعالى، ويزداد ثباتاً في إيمانه.

أما في السنة ، فالكرامات كثيرة، وراجع ( كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل) في (صحيح البخاري)، وكتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وأما شهادة الواقع بثبوت الكرامات، فظاهر، يعلم به المرء في عصره، إما بالمشاهدة، وإما بالأخبار الصادقة.

فمذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء.

وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم، حيث إنهم ينكرون الكرامات، ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات، لاشتبه الساحر بالولي والولي بالنبي، لأن كل واحد منهم يأتي بخارق.

فيقال: لا يمكن الالتباس، لأن الكرامة على يد ولي، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادعاها، لم يكن ولياً. آية النبي تكون على يد نبي، والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه، بخلاف الكرامة، فهي من الله تعالى، لا يطلبها الولي بكسبه.

قال العلماء: كل كرامة لولي، فهي آية للنبي الذي اتبعه، لأن الكرامة شهادة من الله عز وجل أن طريق هذا الولي طريق صحيح.

وعلى هذا، ما جرى من الكرامات للأولياء من هذه الأمة فإنها آيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولهذا قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء السابقين، إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها.

فأورد عليهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يلق في النار فيخرج حياً، كما حصل ذلك لإبراهيم.

فأجيب بأنه جرى ذلك لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني، وإذا أكرم أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام بجنس هذا الأمر الخارق للعادة، دل ذلك على أن دين النبي صلى الله عليه وسلم حق ، لأنه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم.

وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد فلق لموسى!فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شيء أعظم مما حصل لموسى، وهو المشي على الماء، كما في قصة العلاء بن الحضرمي ، حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم مما حصل لموسى، مشى على أرض يابسة.

وأورد عليهم أن من آيات عيسي إحياء الموتى، ولم يقع ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.



فأجيب بأنه حصل وقع لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالى أن يحييه، فأحياه الله تعالى.

وأورد عليهم إبراء الأكمه والأبرص.فأجيب بأنه حصل من النبي صلى الله عليه وسلم أن قتادة بن النعمان لما جرح في أحد، ندرت عينه حتى صارت على خده، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه.
فهذه من أعظم الآيات.



فالآيات التي كانت للأنبياء السابقين كان من جنسها للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأمته، ومن أراد المزيد من ذلك، فليرجع إلى كتاب (البداية والنهاية) في التاريخ لابن كثير.

تنبيه:

الكرامات، قلنا: إنها تكون تأييدا أو تثبيتاً أو إعانة للشخص أو نصراً للحق، ولهذا كانت الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة، لأن الصحابة عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بين أظهرهم، وأما التابعون، فإنهم دون ذلك، ولذلك كثرت الكرامات في زمنهم تأييداً لهم وتثبيتاً ونصراً للحق الذي هم عليه.وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات.

وهذه الكرامات لها أربع دلالات:

أولاً: بيان كمال قدره الله عز وجل، حيث حصل هذا الخارق للعادة بأمر الله.

ثانياً: تكذيب القائلين بأن الطبيعة هي التي تفعل، لأنه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل، لكانت الطبيعة على نسق واحد لا يتغير، فإذا تغيرت العادات والطبيعة، دل على أن للكون مدبراً وخالقاً.

ثالثا: أنها آية للنبي المتبوع كما أسلفنا قريباً.

رابعاً: أن فيها تثبيتاً وكرامة لهذا الولي.في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات.

- أما العلوم، فأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره.
- وأما المكاشفات، فأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره.

مثال الأول – العلوم: ما ذكر عن أبي بكر: أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته الحمل، أعلمه الله أنه أنثى .

ومثال الثاني- المكاشفات -: ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر، فسمعوه يقول: يا سارية ! الجبل ! فتعجبوا من هذا الكلام، ثم سألوه عن ذلك ؟فقال: إنه كشف له عن سارية بن زنيم وهو أحد قواده في العراق ، وأنه محصور من عدوه، فوجهه إلى الجبل، وقال له: يا سارية ! الجبل! فسمع سارية صوت عمر، وانحاز إلى الجبل، وتحصن به.

هذه من أمور المكاشفات، لأنه أمر واقع، لكنه بعيد.
أما القدرة والتأثيرات، فمثل ما وقع لمريم من هزها لجذع النخل وتساقط الرطب عليها، ومثل ما وقع للذي عنده علم من الكتاب، حيث قال لسليمان: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.

يقول شيخ الإسلام في كتاب (الفرقان): " وهذا باب واسع، قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، وأما ما نعرفه نحن عياناً ونعرفه في هذا الزمان، فكثير".



الدليل على أنها موجودة إلى يوم القيامة: سمعي وعقلي:أما السمعي، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم
((أخبر في قصة الدجال أنه يدعو رجلاً من الناس من الشباب، يأتي، ويقول له: كذبت ! إنما أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي الدجال، فيقتله قطعتين، فيجعل واحدة هنا وواحدة هنا رمية الغرض ( يعني: بعيد ما بينهما) ، ويمشي بينهما، ثم يدعوه، فيقوم يتهلل، ثم يدعوه ليقر له بالعبودية، فيقول الرجل: ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم ! فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه)).

فهذه أي: عدم تمكن الدجال من قتل ذلك الشاب من الكرامات بلا شك.
وأما العقلي، فيقال: ما دام سبب الكرامة هي الولاية، فالولاية لا تزال موجودة إلى قيام الساعة.
شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – 2/297


قوله:

ونؤمن بما جاء من كراماتهم

وصح عن الثقات من رواياتهم
ش: فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة ، و كذلك الكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين .
ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما ، فيجعلون المعجزة للنبي ، والكرامة للولي .
وجماعها: الأمر الخارق للعادة . فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم ، والقدرة ، والغنى .
وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده ، فإنه الذي أحاط بكل شيء علماً ، وهو على كل شيء قدير ، وهو غني عن العالمين .
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}[الأنعام:50].
وكذلك قال نوح عليه السلام ، فهذا أول أولي العزم ، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، وهذا خاتم الرسل ، وخاتم أولي العزم ، وكلاهما تبرأ من ذلك ، وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب ، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}[النازعات:42] ، وتارة بالتأثير ، كقوله تعالى:{وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا}[الإسراء:90] الآيات ، وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية ، كقوله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ}[الفرقان:7] الآية .
فأمر الرسول أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك ، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله ، فيعلم ما علمه الله إياه، ويستغني عما أغناه عنه ، ويقدر على ما أقدر عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة ، أو لعادة أغلب الناس .
فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع .
ثم الخارق: إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين ، كان من الأعمال الصالحة المأمور بها ديناً وشرعاً ، إما واجب أو مستحب ، وإن حصل به أمر مباح ، كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكراً ، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه ، كان سبباً للعذاب أو البغض ، كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها بلعام بن باعورا ، لاجتهاد أو تقليد ، أو نقص عقل أو علم ، أو غلبة حال ، أو عجز أو ضرورة . فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين ، ومذموم ، ومباح . فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة ، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها . قال أبو علي الجوزجاني: كن طالباً للاستقامة ، لا طالباً للكرامة ، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة ، وربك يطلب منك الاستقامة .
قال الشيخ السهروردي في (عوارفه): وهذا أصل كبير في الباب ، فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف الصالحين المتقدمين ، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات ، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ، ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه ، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب ، متهماً لنفسه في صحة عمله ، حيث لم يحصل له خارق ، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر ، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً ، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة - يقيناً ، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا ، والخروج عن دواعي الهوى .
فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة ، فهي كل الكرامة .
ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان ، لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحاً ، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسداً .
فالأحوال يكون تأثيرها محبوباً لله تعالى تارة ، ومكروهاً لله أخرى .
وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن .
وهؤلاء يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له ، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة ، وأن الله تعالى لم يكرم عبداً بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه ، وهو طاعته وطاعة رسوله ، وموالاة أوليائه ، ومعاداة أعدائه .
وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
وأما ما يبتلي الله به عبده ، من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء - فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه ، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه ، وشقي بها قوم إذا عصوه ، كما قال تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلاَّ}[الفجر:15-17]ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة . قسم يتعرضون بها لعذاب الله . وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات ، كما تقدم .
وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله.
وكلمات الله نوعان: كونية ، ودينية:
فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر)) قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[يس:82]وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ}[الأنعام:115] والكون كله داخل تحت هذه الكلمات ، وسائر الخوارق .
والنوع الثاني: الكلمات الدينية ، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله ، وهي أمره ونهيه وخبره ، وحظ العبد منها العلم بها ، والعمل ، والأمر بما أمر الله به ، كما أن حظ العباد عموماً وخصوصاً العلم بالكونيات والتأثير فيها ، أي بموجبها .
فالأولى تدبيرية كونية ، والثانية شرعية دينية . فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية ، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية .
وقدرة الأولى التأثير في الكونيات ، إما في نفسه كمشيه على الماء ، وطيرانه في الهواء ، وجلوسه في النار ، وإما في غيره ، بإصحاح وإهلاك ، وإغناء وإفقار .
وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات ، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطناً وظاهراً ، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية .
فإذا تقرر ذلك ، فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه ، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ، ولم يسخر له شيئاً من الكونيات لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله ، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له ، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة ، فإن الخارق قد يكون مع الدين ، وقد يكون مع عدمه ، أو فساده ، أو نقصه .
فالخوارق النافعة تابعة للدين ، خادمة له ، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين ، وكذلك المال النافع ، كما كان السلطان والمال النافع بيد النبي صلى الله عليه وسلم و أبي بكر و عمر .
فمن جعلها هي المقصودة ، وجعل الدين تابعاً لها ، ووسيلة إليها ، لا لأجل الدين في الأصل -: فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين ، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب ، أو رجاء الجنة ، فإن ذلك ما هو مأمور به ، وهو على سبيل نجاة ، وشريعة صحيحة .
والعجب أن كثيراً ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفاً من النار أو طلباً للجنة - يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا ! ! ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً فلا بد أن يوجب خرق العادة ، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه .
قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[الطلاق:2-3] .
وقال تعالى: {إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}[الأنفال:29]
وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}[النساء:66-68]
وقال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }62{الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }63{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}[يونس:62
-64] وقال تعالى ، فيما يرويه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)).
فظهر أن الاستقامة حظ الرب ، وطلب الكرامة حظ النفس . وبالله التوفيق . وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان ، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات . وقولهم: لو صحت لأشبهت المعجزة ، فيؤدي إلى التباس النبي صلى الله عليه وسلم بالولي ، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة ، وهذا لا يقع ، ولو ادعى النبوة لم يكن ولياً ، بل كان متنبئاً كذاباً ، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ ، عند قول الشيخ: وأن محمداً عبده المجتبى ونبيه المصطفى .
ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع:
إيمانية ، وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده ، وحقيقتها أنها خاطر يهجم ، على القلب ، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة ، ومنها اشتقاقها ، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان ، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحد فراسة .
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب ، وهي من مقامات الإيمان . انتهى .
وفراسة رياضية ، وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي ، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها ، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر ، ولا تدل على إيمان ، ولا على ولاية ، ولا تكشف عن حق نافع ، ولا عن طريق مستقيم ، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبادة الرؤساء والأظناء ونحوهم .
وفراسة خلقية ، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم ، واستدلوا بالخلق على الخلق ، لما بينهما من الارتباط ، الذي اقتضته حكمة الله ، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل ، وبكبره على كبره ، وسعة الصدر على سعة الخلق ، وبضيقه على ضيقه ، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما وضعف حرارة قلبه ، ونحو ذلك .
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي – 2/746


قال بعدها

ونؤمن بما جاء من كراماتهم

وصحّ عن الثّقات من رواياتهم

يريد رحمه الله أنّ أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والأثر والمتابعين للسلف الصالح يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة وما صحّت به الرواية من كرامات الأولياء وهم يصدّقون بكرامات الأولياء ولا ينفونها، وما صحّ عن الثقات من الروايات في بيانات كراماتهم فإنهم يصدّقون بذلك ويعتقدونه ويؤمنون به؛ لأنّ هذا من فضل الله عز وجل عليهم لأنّ في التصديق بهم تصديقاً بما أخبر الله عز وجل به في القرآن وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في السنة. ويريد بذلك مخالفة طوائف من العقلانيين الذين أنكروا كرامات الأولياء، ويخصّ بالذكر منهم المعتزلة، فإنهم أنكروا كرامة الأولياء وقالوا ليس لوليٍ كرامة لأنّه لو صحّ أن يكون لوليٍ كرامة لاشتبهت كرامات الأولياء بمعجزات الأنبياء، وحينئذ تشتبه الكرامة بالنبوة ويشتبه الولي بالنبي وهذا قدحٌ في النبوة وقدحٌ في الشريعة. ونذكر هنا مسائل:

المسألة الأولى: كرامات الأولياء

جمع كرامة، والكرامة في اللغة: إكرام من الإكرام، وهو ما يؤتى المكرم من هبةٍ وعطيّة وهي في باب الكرامة من الله عز وجل .
وفي الاصطلاح عرّفت كرامة الولي بأنّها أمرٌ خارق للعادة جرى على يدي ولي.
وكونه خارقاً للعادة يخرج به ما ينعم الله عز وجل به من النّعم على عباده مما لا يدخل في كونه خارقاً للعادة، فأهل الإيمان ينعم عليهم بنعم كثيرة وهي إكرام من الله عز وجل ؛ لكن لا تدخل في حد الكرامة.
فالكرامة ضابطها أنّها أمرٌ خارقٌ للعادة. والعادة هنا، خارقٌ للعادة أي عادة؟ عادة أهل ذلك الزمان. فقد يكون خارقاً لعادة أناس في القرن الثاني وهو ليس بخارقٍ لعادتنا في هذا الزمن. مثلاً أن ينتقل من بلدٍ إلى بلد في ساعة، من الشام إلى مكة أو إلى القدس في ساعة، ويصلّي هنا إلى آخره، أو أن يحجب عن بعض المكروه، أو أن يكون عنده علم بحال أناسٍ بالتفصيل يسمع كلامهم ويرى صورتهم في بلدٍ بعيدٍ عنه، هو في الجزيرة ويرى حالهم في الشام أو في مصر أو في خراسان أو ما أشبه ذلك. هذه في زمنٍ مضى كانت خوارق لعادة أهل ذلك الزمان لكنّها بالنسبة لأهل هذا الزمان ليست بخارقٍ مطلقاً.
لهذا تضبط العادة في تعريف الكرامة - خارقٌ للعادة - بأنها عادة أهل ذلك الزمن.
والمعجزة أيضاً أو الآية والبرهان للنبي وخوارق السّحرة والكهنة كما سيأتي فيها خرقٌ للعادة لكن مع اختلاف الخارق واختلاف العادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
جرى على يدي ولي- قوله جرى يعني أنّه أكرم به الولي فجرى على يديه.
وقد يكون أعطي القدرة وقد يكون الولي أحسّ بالشيء وجرى على يديه دون قدرةٍ منه، إما من الملائكة أو بسببٍ شاءه الله عز وجل . وآخر جملة - على يدي ولي- يخرج منها ما جرى على يد الأنبياء فهي أمرٌ خارق للعادة لكنّه ليس على يدي ولي، وإنما على يدي نبي، كذلك خوارق السحرة والكهنة والمشعوذين فهي شيطانية ليست إيمانية، ولذلك لا تدخل في التعريف.





المسألة الثانية: الأصل في كرامات الأولياء من القرآن قول الله عز وجل {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[يونس:62-64]،
وقوله عز وجل أيضاً {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}[الكهف:82]، وقوله صلى الله عليه وسلم ((ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)).
ومن الواقع فإنّه تواتر النّقل عن الصحابة وعن التابعين ومن تبعهم وعن الأمم السالفة، تواتر النقل بما لا يكون معه مجال للتكذيب ولا للرّد بنقل عددٍ كبير يختلفون في أماكنهم ويختلفون في لغاتهم بحصول هذه الكرامات، فيكون معه النقل متواتراً ويكون دليلاً من الأدلة في هذه المسألة.
فإذاً حصول الكرامات دلّ عليه القرآن والسنة ودلّ عليه التواتر في النقل عن الأمم السالفة وعن هذه الأمة.
المسألة الثالثة: الكرامة تبعٌ للولاية،
والأولياء جعلهم الله عز وجل هم أهل الإيمان والتقوى قال {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}[يونس:62-63]، فالولي الذي يعطى الكرامة هو الموصوف بهذين الوصفين: الإيمان والتقوى.
فلو جرى الخارق على يدي من لم يوصف بالإيمان والتقوى فليس
هو من الكرامة؛ لأنّ الله عز وجل جعل الولاية في أهل الإيمان والتقوى، وهم الذين يعطون الكرامة.
وهاهنا سؤال: هل المبتدع أو الضّال أو العاصي يعطى كرامة؟ والجواب عن ذلك: أنّ الأولياء -كما قرّر أهل العلم- على فئتين: -
الفئة الأولى السابقون.
والفئة الثانية المقتصدون.
فليس للظالم لنفسه المقيم على المعصية حظ في الكرامة. لكن قد تجري الكرامة على يدي من عنده بدعة أو معصية أو ظلم لنفسه، وذلك راجع لأسباب:
1- السبب الأول: أن يكون ليس هو المراد بها وإنّما يكون هذا المبتدع أو هذا الظالم لنفسه في جهادٍ مع الكافر، في جهادٍ مع العدو الكافر فيعطيه الله عز وجل الكرامة لا لذاته ولكن لما يجاهد عليه، وهو الإسلام والإيمان ورد الكفر.
فيكون إعطاؤه الكرامة لا يغتر بها لأنها ليست لشخصه وإنما هي للدليل على ظهور الإيمان والإسلام على الكفر والإلحاد والشرك ونحو ذلك.
2- السبب الثاني: أن يكون إعطاؤه الكرامة لحاجته إليها في إيمانه أوفي دنياه، فتكون سبباً له في استقامة أو في خير. فلهذا من جرى على يديه شيء في ذلك فينظر في نفسه: - إن كان من أهل الإيمان والتقوى فيحمد الله عز وجل ويثني عليه ويلازم الاستقامة على ما أكرمه الله عز وجل به.
وإن كان من أهل البدعة أو المعصية أو الظلم للنّفس، فيعلم أنّ في ذلك إشارة له أن يلازم سنة النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان والتقوى حتى تكون البشرى له في الدنيا والأخرى، وإلّا يكون قد قامت عليه حجّة ونعمة من الله رآها ثمّ أنكرها.

المسألة الرابعة: كرامة الأولياء هي أمرٌ خارقٌ للعادة،
وتشترك مع مخاريق السّحرة والكهنة في أنها أمرٌ خارق للعادة، وكذلك معجزات الأنبياء والآيات والبراهين هي أمر خارق للعادة.
فخرق العادة في نفسه ليس مثنىً عليه، فقد تخرق العادة لمبطل، وقد تخرق العادة لصالح -يعني لرجلٍ صالح-، وقد تخرق العادة لكاهنٍ، ساحر، وقد تخرق العادة لوليٍ صالح. ولهذا وجب أن يكون ثمّ فرقان في خرق العادة عند من حصلت له وعند الناس.
هل خرقت العادة لمؤمنٍ تقي أو لمبطلٍ غير متابع للسنة من السحرة والكهنة وأشباههم؟ فنعلم حينئذ الفرقان البيّن بين كرامة الولي وخرق العادة له وأنّها خرقٌ إيماني، خرقٌ من الله عز وجل لإكرامه وكرامته، وبين خرق العادة للساحر والكاهن والمشعوذ وأنها خارقٌ شيطاني؛ لأنّ الشياطين لها قدرة في خرق عادة.
لكن ثمّ فرق بين خارق العادة للشياطين وخارق العادة للأولياء، وهو: أنّ خارق العادة للأولياء هذا: -
أولاً: من الله عز وجل.
ثانياً: وأثرٌ من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: أنّه خرقٌ لعادة أهل الزمان، فهو في جنسه أعظم وأرفع من جنس خوارق السحرة.
وأما خوارق السحرة فهي: -
أولا: من الشيطان، مخاريق شيطانية نتجت من التّقرب للشياطين والتعاون معهم حتى خدمتهم الشياطين، كما قال عز وجل في سورة الأنعام لما ذكر حشر الجن والإنس يوم القيامة قال {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}[الأنعام:128]، فاستمتع الإنسي بالشيطان الجني واستمتع الشيطان الجني بالإنسي، فهذا تقرّب وهذا خدم، لهذا منشؤها من جهة الشيطان.
ثانياً: أنها متابعة للمعصية والبدعة والشرك إلى آخره التي هي مخاريق السحرة.
ثالثاً: أنّها محدودة، وفي الغالب أنها تخييل وليست حقيقة، والشيطان هو الذي يتمثّل وليس من أعطي الخارق أو من جرى الخارق على يديه في ظاهر أعين الناس أنه هو الذين انتقل. مثلاً وجد في الشام ووجد في مكة في نفس الوقت، ووجد في مصر في القرية الفلانية ووجد في القرية الفلانية، هذا لا يمكن أن يكون إلا من الشيطان.
مثلاً مثل ما قال عبد الوهاب الشعراني في ترجمة أحد من ادّعى أنهم مجاذيب ومجانين وأولياء-يعني في الثناء عليه- قال في ترجمته (وكان رحمه الله يخطب الجمعة في سبع قرىً في مصر).
وهذا خارقٌ عند الناس، كيف القرية هذه و القرية هذه كلهم يخطب فيهم هذا؟؟ فيكون الشيطان تمثّل به وخدمه حتى يغوي الناس، وبالإضافة إلى ذلك هو مجنون ومجذوب وما شابه ذلك. فإذن الشياطين تخدم الساحر والكاهن لكن أكثر ذلك تخييل كما قال عز وجل {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}[طه:66]،

المسألة الخامسة: كرامات الأولياء ترجع إلى نوعين: - ترجع إلى القدرة. - وترجع إلى التأثير. و القدرة والتأثير قد يكونان في الأمور الكونية وقد يكونان في الأمور الشرعية.
1 - القسم الأول: كرامات ترجع إلى القدرة: القدرة قد تكون في الكونيات وقد تكون في الشرعيات:
النوع الأول من القدرة: قدرة في الكونيات: مثال القدرة في الأمور الكونية: أن يقدره الله عز وجل على ما لم يقدر عليه غيره من الناس؛ بأن يسمع ما لم يسمعوا، أو أن يقدر من حيث المشي أو القدرة البدنية على ما لم يقدروا، أو أنّه يغلب بما لم يقدر عليه الواحد في العادة.
يعني أنه راجعٌ إلى قدرةٍ -يعني الكونيات- إلى قدرٍ في السماع، في الآلات، في السمع أو في البصر أو في القوى والأركان. هذا له مثال أو له أمثلة، فمن القدرة في السمعيات سماع سارية كلام عمر رضي الله عنه وهو في المدينة حيث كان يخطب، فقال (يا سارية الجبل الجبل)، يعني الزم الجبل، وسارية كان في بلاد فارس وسمع الكلام. وهذا لاشك قدرة في السماع خارقة للعادة أوتيها.
وكذلك هي من جهة عمر رضي الله عنه قدرة في الإبصار حيث إنّه أبصر ما لم يبصره غيره، فقال: يا سارية الجبل الجبل. فنظر إلى سارية ونظر إلى الجبل ونظر إلى العدو وكأنّ الجميع أمامه، ولهذا قال: الزم الجبل.
هذه قدرة في الآلات، في السمع وفي البصر. كذلك قد تكون القدرة في القوى -يعني هذه في الكونيات- قد تكون القدرة في القوى بأن يغلب ما لم يغلبه مثله، وبأن يمشي مثلاً على الماء مثل ما حصل لسعدٍ ومن معه، سعد بن أبي وقاص، ومثل أن ينوم نومة طويلة كأصحاب الكهف لا يتغير فيها البدن ولا يتأثر فيها أكثر ثلاثمائة وتسع سنين وهكذا.
ومثل إحياء الفرس، يعطى قوة فيمسح على الفرس أو يأمره بأن يحيى فيحيى له فرسه. ومثل أن يدخل في النار فلا تؤثر فيه أو فلا تأكله النار.
المقصود هذه القدرة راجعة إلى قدرٍ في الكونيات يكرم الله عز وجل بها العبد بحيث تكون فيما يحصل له في ملكوت الله عز وجل . النوع الثاني من القدرة: قدرة في الشرعيات:
ونقصد بالشرعيات يعني المسائل الدينية، فيكون عنده قدرة بأن يستقبل من العلم والدين ما لا يستقبله غيره من جهة الحفظ -حفظ الشريعة- أو الفهم الذي يؤتيه الله عز وجل من خصّه من أوليائه أو ما شابه ذلك، فعنده قدرة في فهم الشرعيات وفي فهم مراد الله وفي الحفظ وفيما أعطي بمزيد عن عادة أمثاله. هذا يكون بالإكرام إذا خرج عن مقتضى العادة، صار خارقاً للعادة في حال بعض الناس.
2القسم الثاني: كرامات ترجع إلى التأثير: التأثير قد يكون أيضاً في الكونيات وقد يكون التأثير في الشرعيات.
النوع الأول من التأثير: تأثير في الكونيات: يعني تأثيرٌ يرجع إلى تأثيرٍ في الكون بأن يؤثّر في المكان الذي هو فيه، أو في أبصار الناس بأن لا يروه، مثل ما حصل مثلاً للحسن البصري رحمه الله حيث دخل عليه بعض الشّرط لطلبه فلم يروه، دخلوا وداروا في المكان وهو جالس في وسط الدار فلم يروه، وأشباه ذلك مما فيه تأثيرٌ في قدر الآخرين.
الأول قدرة في نفسه والتأثير يكون في قدر الآخرين، التأثير في خصائص الأشياء، التأثير في خاصية الهواء، خاصية الماء ونحو ذلك، هذا قد يؤتيه الله عز وجل بعض أوليائه لحاجتهم إليه كما ذكرنا.
النوع الثاني من التأثير: تأثير في الشرعيات: يعني أن يؤثّر في ما هو مطلوب شرعاً، إذا علّم فإنّه يقع تعليمه موقع النفع أكثر من غيره، يعني بشيءٍ لا يستطاع عادة، يكون فيه الأمر زائد عن العادة، له قبول والكلام يقع موقعه أكثر مما اعتاده الناس في أمثال أهل العلم، كذلك تأثير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا أمر ونهى فإنه يؤثر التأثير البالغ بحيث لا يعارض، ومثل أن يؤثّر في الناس في هدايتهم إذا وعظ، إذا قال لفلان من الناس افعل كذا أطاعه، إذا وعظ رق قلبه، إذا أمر بالتوبة أطيع ونحو ذلك مما هو خارجٌ العادة إلّا أنّ الناس من عادتهم أن يطاعوا ولا يطيعوا.
هذا التقسيم ذكره شارح الطحاوية في هذا الموقع، وشيخ الإسلام قسمه في الواسطية -كما تعلمون- إلى أنّ الخوارق التي تجري على يدي الولي وتسمّى كرامة: - تارةً تكون في العلوم والمكاشفات. - وتارةً تكون في القدرة والتأثيرات. فجعل القدرة والتأثير باباً واحداً، وجعل العلم والمكاشفة جعله باباً آخر. وهذا التقسيم أيضاً ظاهر، وهي تقاسيم باعتبارات مختلفة.

المسألة السادسة: ذكرنا أنّ الخوارق ثلاثة أقسام: - خارقٌ للعادة جرى على يدي نبي ورسول، وهذا يسمى آية وبرهان ومعجزة. - وخارقٌ للعادة جرى على يدي ولي، وهذا يسمى كرامة. - وخارقٌ للعادة جرى على يدي شيطان أو عاصي أو مبتدع أو من ليس مطيعاً لله ومتّقياً له، فهذا يسمى حالاً شيطانياً. فالفرق بين هذه الثلاثة أشياء واضح:
1 - أولاً: أنّ الأمر الخارق للعادة بحسب من يضاف إليه: - فإذا أضيف إلى النبي صار اسمه آية وبرهانا ومعجزاً. - وإذا أضيف إلى الولي فإنه يسمّى كرامة. - وإذا أضيف إلى أصحاب الكهانة والسحر والشعوذة فيسمّى حالاً شيطانياً.
2- ثانياً: أنّ خرق العادة الذي يجري للولي لا يكون مصحوباً بدعوى النّبوة، فقد يجري للأولياء أحوالٌ عظيمة لكنها مع عدم دعوى النبوة. فإذا ادّعى مع تلك الأحوال النبوة صار شيطاناً، وصار ما يساعد به إنما هو من جهة الشياطين والسحرة وأشباه ذلك.
3- ثالثاً: أنّ ما تخرق به العادة للنبي أوسع بكثير وأعظم مما تخرق به العادة للولي، فخرق العادة للولي محدود بالنسبة لخرق العادة للنّبي.
وخرق العادة للسحرة والكهنة الشياطين وأهل الشعوذة وأهل العصيان الذين يدّعون الأحوال هذه ليست خرقاً للعادة في الحقيقة ولكنها قدرة مما أعطى الله الشيطان أن يوهم به الناس وأن يضلّ الناس به، من جهة التخييل تارة، ومن جهة تصوّره وتشكّله في صور وأشكال تارة أخرى.
أما خرق العادة بالنسبة للأنبياء، فالأنبياء يخرق الله عز وجل لهم العادة أي عادة الجن والإنس في زمانهم، حتى يكون ما يعطوه آيةً وبرهاناً؛ لأنّ الساحر والكاهن قد يعارض النبي بما أعطي من خارقٍ للعادة بما يمكن للشياطين أن تمدّ به هذا الساحر والكاهن إلى آخره. لكن جعل الله عز وجل الخارق للعادة بما لا يمكن للإنسي ولا للجني لو اجتمعت أن يعطوا ذلك، كما قال عز وجل {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88]،
فالقرآن آية، وبرهان، وهكذا آية موسى عليه السلام، الآيات التي أوتيها موسى لا تستطيعها السحرة ولا الكهنة، وكذلك ما أعطى الله عز وجل عيسى من الآيات، وكذلك كل نبي ورسول لا يستطيعه أهل زمانهم من الإنس والجن لو اجتمعوا، فإنهم لا يستطيعون ذلك.
ولهذا صار مثلاً حمل الشيء الكبير العظيم من بلدٍ إلى بلد لا يدخل ضمن معجزات الأنبياء كما حصل في قصّة سليمان عليه السلام: {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ}[النمل:39]، هذا حمل لمدّة أن يقوم بالمقام، {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}[النمل:40]، فصار جلب هذا الشيء من مكانٍ إلى مكان، من اليمن إلى أرض سليمان عليه السلام في فلسطين، صار جلبه ليس من آيات الأنبياء ولا من براهين الأنبياء، فصار في حق الذي أوتي علماً من الكتاب: كرامة
. وما قام به الجن هذا مما يقدرون عليه، فخرق الجن للعادة بما لا يستطيع البشر قصارى ما عندهم أن يأتوا به قبل أن يقوم من هذا المقام، يعني ذلك الجني الذي قال تلك الكلمة، وهذا الذي أكرم، أكرم بأن يدعو فيؤتى بالعرش إلى سليمان عليه السلام.
وهذا من جهة هو كرامة لمن أعطي، ومن جهة أخرى هو أيضاً آية لسليمان عليه السلام بالنظر إلى تسخير هذا الإنس والجن له مما لا يسخّر معه الإنس والجن والطير لغير نبيّ من الأنبياء.
المقصود من ذلك: - أنّ خارق النبي آية وبرهان؛ لأنه يخرق عادة الجن والإنس في ذلك الزمان. - أمّا خارق الولي فهو محدودٌ بالنسبة إلى خارق النبي في أنّه تخرق له العادة التي لا يستطيعها الإنس ولا بعض الجن. لأنّ اجتماع الإنس والجن، هذا خاص -يعني لو أرادوا أن يحدث شيء- هذا لا يمكن لأنّ معجزة النبي أكبر وأعظم، وأما الولي فإنّه بحسب من هو فيهم لأنها كرامة وليست آيةً ولا برهاناً على رسالةٍ ولا نبوة؛ بل هو خاصٌ بما يكرم به هو.
أمّا خوارق الشياطين والسحرة بما يولون به أولياء الشياطين من الإنس فهذه محدودة: وقد تكون تخييلاً - يعني تصوير للعين-. وقد تكون تشكّلاً لكن تشكّل من الجني في صورة إنسي أو في صور حيوان أو ما أشبه ذلك. لهذا قد يظهر الجني في صورة إنسان، في صورة العبد الصالح ويكون في مكانٍ آخر، مثل ما قال ابن تيمية رحمه الله في موضع (كان وقع بأصحابي شدّة، قال: فرأوا صورتي عندهم فاستغاثوا بي، ثم أخبروني فأعلمتهم أنّي لم أبرح مكاني - يعني في دمشق وهم كانوا خارج دمشق -، وإنما هذا جني تصوّر بي).
وهذا مما أقدر الله عليه الجن، لكن لا يقلبون الحال؛ لكن يتشكلون في صورة ينظر إليها الإنسي أنّ هذا هو صورة فلان، من قبيل التّشكّل، لكن ليس ثمّ مادة وقلب حقيقي. لكن قد يدخلون في جسد حيوان، قد يدخلون في جسد إنسان، هذه مسألة التّلبّس مسألة أخرى لكن من حيث التّشكيل والتّصوير هذا من جهة التخييل، أو من جهة إظهار الشيء بدون حقيقة مادية؛ لأنهم هم ليس لهم مادة يعني مثل مادة الإنسان.
لهذا صار صاحب الخوارق الشيطانية، هذا ليس بكرامة وإنما هو من جهة الشيطان، ولا يعطيه الله عز وجل على ذنبه ومعصيته واستعانته بالشياطين، فيستعين بالشياطين على ذلك.
4- رابعاً: أنّ كرامة الولي لا تبلغ جنس آية النبي. هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ -يعني أهل الحديث- في أنها لا تبلغ جنسها وإن شركتها، يعني اشتركت معها في الصورة فلا تبلغ جنسها. يعني قد يدخل النار فلا يحترق، وإبراهيم عليه السلام دخل ناراً فلم تضره أو صارت برداً وسلاماً عليه؛ لكن لا يشتركان في الجنس، وإن اشتركوا في النوع.
يعني إن اشتركوا لكن هذه قدرها ليس كقدر هذه، صفة النار هذه ليست النار كصفة هذه، وصفة ما يحصل للولي ليس كصفة ما يعطاه النبي. وأما الأشاعرة وطائفة فإنهم قالوا تتساوى، تتساوى الكرامة بآية وبرهان النبي والمعجزة من حيث الجنس، لكن الفرق بينهما أنّ النبي يقول: أنا نبي، وأما الولي فيقول: أنا تابعٌ للنبي. والأول مثل ما ذكرت لك هو المتعيّن لأنّ الله عز وجل فرّق بين ما يعطيه النبي من خرق العادة وما يعطيه غيره فقد قال فيما يعطيه للنبي: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}[الإسراء:88]، وأما ما يعطيه الإنسي فإنّه قد يكون محدوداً.
مثلاً أصحاب الكهف ناموا تلك النومة، ولم يتأثروا ثلاثمائة وتسع سنين، فيه من يعيش أكثر من ذلك. وهذا أقل مما يحصل للأنبياء في جنس ما يعطون. المسألة السابعة: أنكرت المعتزلة وجماعات كرامات الأولياء

وقالوا: إنّ إثبات كرامات الأولياء يعود على معجزات الأنبياء بالإبطال؛ لأنّ الجميع خرقٌ للعادة، وما عاد على معجزات الأنبياء بالإبطال فهو باطل. فالجواب عن ذلك أنّ الله عز وجل أثبت هذه الأنواع الثلاث: أثبت الآيات والبراهين التي يعطيها للأنبياء. وأثبت جل جلاله كرامات الأولياء. وأثبت عز وجل مخاريق السحرة وتخييلات السحرة.
فكلّ هذه في القرآن وفي السنة، وكلها تشترك في أنها أمور خارقة للعادة، فعدم الإيمان بها هو ردٌ للقرآن فيما دلّ عليه. وقد لا تكون الدّلالة عندهم قطعية وبذلك لا تدخل المسألة في الكفر؛ لكن ظاهر أنّ القرآن فيه هذا وهذا.
فمثلاً مريم عليها السلام أعطيت أشياء وليست بنبيّة لأنّه ليس في النساء نبيّة كما هو معلوم، {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَازَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}[آل عمران:37]، وكذلك قصة أصحاب الكهف، وهؤلاء جميعاً ليسوا بأنبياء. المقصود من ذلك أنّ جنس الكرامة هذا ثابت في القرآن وفي السنة وقصّه الله عز وجل ، فنفي الكرامة لأنها خارق للعادة هذا ردٌّ لما أثبته الله عز وجل ، والله عز وجل فرّق بين هذا وهذا.
وأما أنها تشتبه مع خارق الأنبياء فهذا ليس بصحيح كما ذكرنا لك من الفروق السّابقة لأنّه ثمّة فروق ما بين كرامات الأولياء وما بين معجزات الأنبياء.
وطردوا المعتزلة هذا الباب فقالوا: كل الخوارق الشيطانية وكل الخوارق التي تجري للعقل والسحر والأشياء كل هذه مما يدخل في باب خرق العادة، لا نؤمن به ويرد. وكلّه جرياً منهم على هذا الأصل، وهو أنّه يعود على آيات الأنبياء بالإبطال.

المسألة الثامنة: مما يشتبه بالكرامة:
الإعانة الخاصة من الله عز وجل لبعض عباده، فقد يعين الله عز وجل بعض العباد بأشياء يفرّج بها عنهم الهم والكرب والضيق لكن لا تدخل في
باب الكرامة؛ لأنها ليست أموراً خارقة للعادة، فثمّ فرق بين نعم الله تعالى المتجددة مما ينجّي الله به مثلاً عبده من حادث أو من مرض أو نحو ذلك ولا يكون هذا الإنجاء من الخوارق للعادة.
فلذلك يفرّق ما بين جنس النّعم التي يعطيها الله عز وجل خاصة العباد وما بين الكرامات، فليس كل ما ينعم الله عز وجل به على العبد من الأمور العظيمة كرامة؛ بل الكرامة ضابطها أنها أمرٌ خارقٌ للعادة جرى على يدي ولي.
ولهذا أصحاب الطّرق والذين يريدون صرف وجوه الناس إليهم قد يعظّمون ذكر بعض الإنعام حتى يجعلوه كرامةً، فيغرون الناس بأنهم أولياء وأنهم أكرموا بكذا وكذا إلخ. والله عز وجل ينعم على عباده بأنواع النّعم الدينية، والشرعية والكونية، وهذه الأنواع من الإنعام هذه ليست دائماً مما تخرق به العادة، لهذا نقول الكرامة مما تخرق به العادة.
المسألة التاسعة: الكرامة إذا أعطاها الله عز وجل الولي فإنّه ليس معنى ذلك أنّه مفضّلٌ وأعلى منزلة على من لم يعط الكرامة.
فالكرامة إكرامٌ وإنعام من الله عز وجل للعبد لأجل حاجته إليها، وقد تكون حاجته إليها دينية وقد تكون حاجته إليها كونية دنيوية.
لهذا قلّت الكرامات عند الصحابة، فالمدوّن من الكرامات بالأسانيد الثابتة عن الصحابة أقل بكثير مما يروى عن التابعين، وهكذا فيمن بعدهم؛ لأنّ المرء إذا قوي إيمانه وقوي يقينه فإنه قد يترك للابتلاء لا للتفريج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي في (الصحيحين): ((يبتلى الرجل على قدر دينه، أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل))...
وهذا يدل على أنّ الله عز وجل قد يختار للولي الصالح وللعبد الصالح الذي تعظم منزلته في ولاية الله عز وجل وإكرامه ومحبته له في أن يتركه للابتلاء، وأن يتركه لغير هذه الأمور الخارقة للعادة. فتكون إذاً هذه الخوارق للعادة وهذه الكرامات لحاجته إليها ولأنه قد يصيبه ضعف في الإيمان لو لم يعط.
فبعض الناس قد يكون عنده عبادات عظيمة وقيام وصلاة وصيام ثمّ إذا أصابته شدة ولم يفرّج عنه فإنه قد يعود على قلبه بالضعف في الإيمان، فيكرمه الله عز وجل لأجل ضعفه لا لأجل كماله.
ولهذا فإنّ باب الكرامة ليس معناه تفضيل من جرت له، فقد يكون مفضّلاً وقد لا يكون، فليست الكرامة بمجردها دليلاً عند السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام؛ بل الإيمان بالكرامات -كرامات الأولياء- لأجل وجودها وأنّ الله عز وجل يكرم بها عباده وأنّ الأدلة دلّت على ذلك وليس من أجل تفضيل من حصلت له الكرامة فقد يكون أقل درجة بكثير ممن لم تحصل له الكرامة.
إذا كان كذلك، فإنه حينئذ من دوّنت عنه الكرامات لا يلزم أن يكون أعلم ولا أفضل ولا أن يقتدى به ولا أن تؤخذ أقواله لأجل أنّه حصلت منه الكرامة؛ بل لم يزل الصّالحون إذا حصلت لهم مثل هذه الأنواع من الكرامات لم يزالوا يكتمونها ولا يشيعونها لأنّها قد تكون في حقّهم من الفتنة، وهم لعلمهم بالله عز وجل وما يستحقه - جل جلاله - من الطاعة والإنابة والإقبال عليه أن لا يفتنوا الناس بذلك.
وهذا من الأسباب أنّ المنقول عن الصحابة من الكرامات قليل جداً، وعند التابعين أكثر، ثمّ هكذا، كلما ضعف الناس كلما أحبّوا إذا حصل لهم أي شيء أن ينشروه وأن لا يكتموه. لهذا نقول: الواجب على الناس أن لا يعتقدوا فيمن حصل له إكرام أو كرامة. أن لا يعتقدوا فيه؛ بل يقولون: هذا دليل على إيمانه وتقواه إذا كان متحقّقاً بالإيمان والتقوى، وهذا دليلٌ على محبة الله عز وجل له.
وهو يسأل لنفسه الثبات ويحرص على ذلك. وهم أيضاً لا يأمنون عليه الفتنة، وإذا مات على هذه الحال أيضاً من الصّلاح والطاعة فإنه يرجى له الخير ولا تتعلق القلوب به، أو يستغاث به أو يؤتى لقبره و يستنجد به أو يطلب منه تفريج الكربات أو يراعى وهو في غيبته في حال الحياة ونحو ذلك كما يفعله ضلّال أصحاب الطرق الصوفية ومن يعتقدون فيه ممن ينتسبون للأولياء وربما لم يكونوا منهم.
لهذا فالواجب على المؤمن أن لا يتحدث بهذه إلا إذا رأى ثمّ حاجة دينية لذلك، أما إذا كانت لأجل إظهار منزلته أو لإظهار إكرام الله عز وجل له ونحو ذلك، فهذا الأفضل كتمانها سيّما إذا كان مع إظهارها والتحدث بها فتنة قد تصيب البعض، وإذا كان في مثل هذه الأزمنة التي يظهر فيها الجهل ويتعلق الناس بمن ظهر عليهم الصلاح لأجل الاعتقاد فيهم فإنه يجب على المؤمن أن يصد وسائل الشر وأن يسد ذرائع الشرك والغلو التي منها ذكر الكرامات وتداول ذلك.
المسألة العاشرة: مما يتصل بالكرامة من المباحث مبحث الفراسة؛

لأنّ الفراسة الإيمانية بها يعلم صاحب الفراسة ما في نفس الآخرين.
هذه الفراسة عرّفت بأنها: شيء من العلم يلقى في روع المؤمن به يعلم حال من أمامه، إما حاله الإيماني وإما حاله في الصدق والكذب، وإما بمعرفة ما في نفسه ويجول في خاطره.
ولهذا عرّفت الفراسة أيضاً بأنها نور يقذفه الله في قلب بعض عباده، بها يعلم مخبئات ما في صدور بعض الناس.
والعلماء قسموا الفراسة إلى أقسام أشهرها ثلاثة:
1- الأول: الفراسة الإيمانية: وهي التي قد يدخلها بعضهم في باب الكرامة وليست منها.
2- الثاني: فراسةٌ رياضية: يعني تحصل بالترويض وبالتعود وبتخفيف ما في النفس من العلائق، وهي التي يحصل فيها دربة عند بعض أصحاب الطّرق.
3- الثالث: فراسة خلقيّة: وهذه ليست راجعة إلى استبطان ما في النفوس ولكن باعتبار الظّاهر.
ينظر إلى الخلق فيستدل بشكل الوجه على الخلق، ويستدل بشكل العينين على مزاج صاحبها، يستدل بشكل البدن أو شكل اليد أو تقاطيع الوجه على حاله من جهة الأخلاق. فهذه اعتنى بها كثير من الناس، وصنّفت فيها مصنفات عند جميع الأمم، من الأمم السابقة لأمة الإسلام، وفي أمة الإسلام أيضاً لأنها فراسة خلقيّة، ويقولون: إنّه ثمّ ترابط ما بين الخلق والخلق.
ومن الأئمة الذين اعتنوا بهذا الباب وتعلّموه الشافعي رحمه الله وصنّف طائفة من أصحاب الشافعي في الفراسة مصنفات الفراسة الخلقية.
المقصود من ذلك أنّ الفراسة -وهي النوع الأول الفراسة الإيمانية-، ليست من الكرامة لأنها أقرب ما تكون إلى الإلهام، والإلهام قد يكون خارقاً للعادة وقد لا يكون. فجنس الفراسة الإيمانية ليست من جنس الكرامات، وقد يكون من أنواع الفراسة ما يكون فيه خرق للعادة فيكون كالعلوم والمكاشفات التي يجريها الله عز وجل على يد أوليائه.
المسألة الحادية عشر: كرامات الأولياء قد تجري للمجموع لا للأفراد،

وهذا في حال الجهاد سواءٌ أكان جهاداً علمياً أم كان جهاداً بدنياً -يعني بالسّنان-.
فقد يكرم الله عز وجل الأمّة المجاهدة، جماعة المجاهدين من أهل العلم، يعني من الجهاد باللسان بقوة في التأثيرات الشّرعية وبالنصر على من عاداهم بالملكة والحجّة وبما يعلمون به مواقع الحجج وما في نفوسهم بما يكون أقوى من قدرهم في العادة. قد يكرمهم الله عز وجل بذلك وإن لم يكونوا من الملتزمين بالسنة.
وقد يكون كما ذكر بعض أهل البدع يعطى قوّة وينتصر على عدوّه من النصارى مثلاً أو من اليهود أو من الملاحدة في أبواب المناظرات ويكشف له من مخبّآت صدر الآخر ما لا يكون لأفراد الناس، ويكشف له من القوة والحجة في التأثير على الناس ما يدخل في باب التأثير في الكونيات والشرعيات كما ذكرت لك سابقاً. وكذلك في أبواب جهاد الأعداء بالسيف، فقد يؤتى طائفة من المسلمين من أهل البدع والذنوب والمعاصي بعض الكرامات إذا جاهدوا الأعداء.
وهذا ينظر فيه إلى المجموع لا إلى الفرد، والمجموع أراد نصرة القرآن والسنة ودين الله عز وجل ضد من هو كافرٌ بالله - جل جلاله - وضد من هو معارضٌ لرسالة الرسل أو من يريد إذلال الإسلام وأهل الإسلام. فيعطى هؤلاء بعض الكرامات وهي لا تدل على أنهم صالحون وعلى أنّ معتقد الأفراد أنّه معتقدٌ صالحٌ صحيح؛ بل تدل على أنّ ما معهم من أصل الدين والاستجابة لله والرسول في الجملة أنهم أحقّ بنصر الله وبإكرامه في هذا الموطن لأنهم يجاهدون أعداء الله عز وجل وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا لا يغتر بما يذكر عن بعض المجاهدين أنهم حصلت لهم كرامات وكرامات وكرامات. وهذه الناس فيها لهم أنحاء:
- منهم من يكذّب ويقول هؤلاء عندهم وعندهم من البدع والخرافات وإلخ، وبالتالي الكرامة لا تكون لهم، فينفي وجود هذه الكرامات.
- ومنهم من يصدّق بها ويجعل هذا التصديق دليلاً على أنهم صالحون وأنّه لا أثر للبدعة وأنّ الناس يتشددون في مسائل السنّة والبدعة.
وأما أهل العلم المتبعون للسلف كما قرّر ذلك ابن تيمية بالتفصيل في كتابه (النّبوات) فإنّهم يعلمون أنّ المجاهد قد يعطى كرامةً ولو كان مبتدعاً، لا لذاته ولكن لما جاهد له، فهو جاهد لرفع راية الله عز وجل ضد ملاحدة، ضد كفرة، ضد نصارى، ضد يهود، ضد وثنيين، وهذا يستحق الإكرام لأنّه بذل نفسه في سبيل الله - عز وجل -. والبدع ذنوب، والجهاد طاعة، ومن أعظم الأعمال قربة، ومعلوم أنّ الحسنات تذهب ما يقابلها من السيئات، فقد تكون في حقّ البعض حسنة الجهاد أعظم من سيئة بعض البدع والذنوب؛ بل الجهاد سبب في تكفير الذنوب والآثام
كما قال - عز وجل -: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}[الصف:10-12] الآية.
من أعظم أسباب مغفرة الذنوب الجهاد، و من أعظم أسباب تحقيق ولاية الله ومحبته أن يجاهد العبد، لكن هذا يكون في موازنة الحسنات والسيئات والله عز وجل أعلم بنتيجة هذه الموازنة.
المقصود من ذلك أنّ أهل السنة والجماعة يقرّرون أنّ الكرامة هي للولي الصالح كما قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}[يونس:62-63]، وقد يعطي الله عز وجل الكرامة لجمعٍ من المسلمين، أو لفردٍ في جمعٍ من المسلمين لأجل ما ذكرت لك من الحال إذا كان على غير التقوى والإيمان ومتابعة السّنة أو الأخذ ببعض البدع. ولهذا لا يغتر مغتر بما يحدث من ذلك ويزن الأمور بموازينها:
فمن نفى مطلقاً فهو متجنّي لأنّه لا علم له بذلك.
ومن قبل مطلقاً وجعلها دليلاً على الصلاح والطاعة وأنّه لا أثر للعقائد ولا أثر للسنة في مثل هذه المسائل هذا أيضاً تجنّى على الشرع وتجنّى نفسه، والعلم يقضي بما ذكرته لك في ذلك.

المسألة الثانية عشر: الواجب على المؤمنين أن يسعوا في الإيمان وفي شعبه

-امتثالاً للأوامر واجتناباً للنواهي- طلباً لمرضاة الله عز وجل وأن يبذلوا أنفسهم في الجهاد بأنواعه: الجهاد في العلم والجهاد في العمل والدعوة، أو الجهاد بالسيف والسنان إذا جاء وقته، أو إذا حضره المؤمن، أن يسعوا فيه طلباً لرضا ربهم - عز وجل -، وأن لا يلتفت العبد مهما بذل إلى حصول الكرامة أو عدم حصول الكرامة.
فمن الناس من تعلّقت قلوبهم بالكرامات؛ بل بما هو دونها من الرؤى وربما الأحلام ومن القصص والحكايات والأخبار وأثّر ذلك على إيمانه سلباً أو إيجاباً، ضعفاً أم زيادة. وهذه الأمور نؤمن بها -يعني مسائل الكرامات-، نؤمن بها لأنّها جاءت في النصوص؛ لكن العبد لا يتطلّبها، لا يبحث عنها، كما ذكرت لك ربما كان الأكمل في حقه أن لا تحصل له الكرامة، وربما كان الأكمل في حقه أن يبتلى، و ربما كان الأكمل في حقه أن يذل ولا يعرف ما يقضي الله عز وجل به في هذه المسائل.
ومن نظر لسيرة من نعتقد فيهم أنهم من أفضل أهل زمانهم إيماناً وتقوى ومتابعة للسنة وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ومجاهدةً لأعداء الله، حصل لهم من الابتلاء والفتنة ما حصل، كما حصل لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وكذلك ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فالجميع حصل لهم من البلاء والسجن والفتنة، يعني والصد والإيذاء ما حصل لهم، ومع ذلك هم أكمل ممن هم دونهم ممن حصل لبعضهم من الكرامات فيما نقل بأسانيد ثابتة.
بل ابن القيم رحمه الله طيف به في دمشق وهو العالم الإمام على حمار ظهره إلى السماء ووجهه إلى الأرض تنكيلاً به، ومع ذلك ما ضرّه لا في وقته ولا فيما بعده فالتراجم طافحة بالثناء عليه، لأنّ هذه مسائل من الابتلاء التي يبتلي بها الله عز وجل بعض عباده كيف شاء. فالمقصود من هذا أنّ الميزان هو متابعة السنة.
تحقيق الإيمان والتقوى، متابعة طريقة السلف الصالح قد يحصل معه إكرام وقد لا يحصل معه، يحصل معه ضد ذلك من الابتلاء والإيذاء، وقد يكون المبتلى أكمل ممن لم يبتل.
فالعبرة بلزوم منهج السلف الصالح وطريقة السلف الصالح، فقد يبتلى من هو من أهل البدع، وقد يبتلى من هو من أهل السنة، وقد يبتلى العاصي المذنب، وقد يبتلى التقي الناصح، وهكذا.
فإذاً الميزان هو كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وملازمة طريقة السلف الصالح في ذلك.



شرح العقيدة الطحاوية لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ


ومن أصول السنة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق وعادات في أنواع العلوم والمكاشفات والتأثيرات، كالمأثور عن سلف الأمة وأئمتها وسالف الأمم في سورة الكهف وسورة مريم وغيرها ، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة ، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة .

والكشف والكرامة ليس بحجة في أحكام الشريعة المطهرة ، وخاصة فيما يخالف ظاهر الكتاب والسنة ، ولا يمتاز صاحب الولاية والكرامة عن آحاد المسلمين في شيء من الزي والعمل والقول ولا يختص بالنذر وغيره مما ينبغي لله سبحانه .

قال محمد بن ناصر الحازمي: الذي يحب للأولياء المتبعين لا المبتدعين ، هو المحبة والتوقير والتعظيم والإتباع والدعاء والاستغفار والاقتفاء بهم في محاسن الأقوال والأفعال بما اقتضى الكتاب والسنة .

وإثبات الكرامة اللازمة كما وقع لبعض الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولا يتجاوز بهم إلى حد المعجزات النبوية ولا الخوارق الإلهية ، حتى يعرف الفرق بين الحق والخلق ، والمعصوم وغير المعصوم.

وتعريف المعجزة ؛ هي أمر خارق للعادة داع إلى الخير والسعادة ، مقرون بدعوى النبوة ، قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله سبحانه .

وتعريف الكرامة ؛ بأنها ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص ، غير مقارن لدعوى النبوة ، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا ، وما كان مقرونا بدعواها يكون معجزة .
وأما إثبات التصرف في العالم للأولياء وسقوط التكليف عنهم وإثبات ما يختص بالله ، فإسقاط لحق الربوبية والإلوهية ، ودعوى مجردة عن الدليل ، بل من العقائد الفاسدة الضعيفة والأباطيل الشركية السخيفة ، والاستدلال بأمثال قوله تعالى {لَهُم مَّا يَشَاءونَ}[الزمر:34] حجة فاسدة ، فإن ذلك وعد لهم ، والله لا يخلف الميعاد ، وهذا لهم في الآخرة كما صرحت به الآيات والأحاديث ، ودعوى العموم بعيدة محالة ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والله المستعان وكفى بالله شهيدا على الضمائر وحكما بين العادل والجائر وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ما أكثر هذا اليوم في الأحزاب المتحزبة والجموع المجتمعة من فرق الشيعة والمتصوفة وطوائف المبتدعة يسيرون قواعد لم تتأسس على علم ولا هدى ولا كتاب منير ثم يبنون عليها قناطير علمهم وعملهم وما لم يشهد له دليل من الافتراء والشبهة التي نشأت عن الهوى والألف والتقليد ساقطة في البين فتبقى الدعوى مجردة وحجج الله سبحانه أكبر وأكثر وفي قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}[آل عمران:31]، أوضح دليل على المدعى ، لأن الخير مقصور على اتباعه ، فيا حسرة الجهلة البطلة الزاعمين بأن اتباعهم لمن قلدوه ينجيهم من دون اقتصاص واقتصار على الآثار النبوية {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}[آل عمران:85].

والإسلام ما جاء به خاتم النبيين وسيد المرسلين {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[آل عمران:101] ،
فمن لم يخص الله بالاعتصام - وهو أغنى الشركاء عن الشرك - لم يعتصم عن الضلالة ، ومن أخلص لله سلم من الضلالة ، ومثله قوله تعالى {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}[الأعراف:
3]

ولقد أربى ضلال المتصوفة واتبعهم الرعاء والجهلة واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، فلا تسمع إلا ؛ يا سيدي أحمد البدوي ويا سيدي الزيلعي ويا عيدروس ويا جيلاني ، ولا تسمع من يذكر الله ويلجأ إليه في البحر والبر - إلا قليلا - ولفقوا كذبات لا أصل لها ، وقد عمت جهالاتهم اليوم عامة أهل وقتنا خاصتهم - إلا ما شاء الله - فيضيفون إليهم من القدرة والعلم بالمغيبات والتصرف في الكائنات ما يختص بالله سبحانه ، حتى قالوا فلان يتصرف في العالم ، وكل عبارة أخبث من أختها ، اللهم إنا نبرأ إليك من صنيع هؤلاء ، ونسألك أن تكتبنا من الناهين لضلالاتهم والمنادين لهم ، ونستغفرك في التقصير ، وقد علمت عجزنا عن السيف والقنا أن نقضي به إليهم ، وعن اللسان أن ننصحهم أو ننادي به عليهم ، إلا في الصحف والكتابة والحمد لله على كل حال ) انتهى .
قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر لصديق حسن خان القنوجي - ص102



وكل خارق أتى عن صالح

من تابع لشرعنا وناصح

فإنها من الكرامات التي

بها نقول فاقف للأدلة

ومن نفاها من ذوي الضلال

فقد أتى في ذاك بالمحال

فإنها شهيرة ولم تزل

في كل عصر يا شقا أهل الزلل
((وكل خارق )) للعادة من الخوارق ، وهي ستة أنواع:
( الأول ) المعجزة وتقدم الكلام عليها ،
( الثاني ) الإرهاص وهو كل خارق تقدم النبوة فهو مقدمة لها ، فالمعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوى النبوة ، والإرهاص مقدمة لها قبلها كقصة أصحاب الفيل ،
( الثالث ) الكرامة وهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة ، يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ، ملتزم لمتابعة نبي كلف بشريعته مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح ، علم بها ذلك العبد الصالح أم لم يعلم ،
( الرابع ) الاستدراج والمكر ،
( الخامس ) المعونة كما يظهر بسبب بعض عوام المسلمين وضعفاء أهل الدين تخليصا لهم من المحن والمكاره ،
( السادس ) الإهانة والاحتقار كما فعل مسيلمة الكذاب من مسحه بيده على رأس غلام فانقرع ، ومن تفله في بئر عذبة ليزداد حلاوة فصار ملحا أجاجا ، ومن الخوارق الفاسدة السحر والشعوذة ونحوهما .
والحاصل أن الكرامة لا بد أن تكون أمرا خارقا للعادة ، (أتى ) ذلك الخارق (عن ) امرئ (صالح ) وهو الولي العارف بالله وصفاته حسب ما يمكن ، المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي ، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات من ذكر وأنثى ، ولا بد أن يكون صدور ذلك الخارق في زماننا وبعده وقبله منذ بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (من ) إنسان (تابع لشرعنا ) معشر المسلمين ، لأن سائر الشرائع سواه قد نسخت ، وأن يكون الخارق من قبل من ظهر على يديه غير مقارن لدعوى النبوة ، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة كما تقدم آنفا ، ولاعتبار كون من صدرت عنه الخوارق عارفا مطيعا ظاهر الصلاح ، متابعا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم أشار بقوله (وناصح ) لله ولرسوله ولكتابه ولشريعة النبي التي أتى بها عن الله ، وناصح لأئمة المسلمين وخاصتهم وعامتهم ، فإن الدين النصيحة ، فما يصدر من الخوارق المؤكدة لكذب الكذابين وترهات المفترين من قبيل المكر والاستدراج والمحن والاعوجاج ، وأما إذا صدرت عمن ذكر من الصالح الناصح المتابع لشرعنا القويم وديننا المستقيم (فإنها) تكون (من الكرامات التي بها) أي بجوازها ووقوعها (نقول) معشر أهل السنة من السلف والخلف .
قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وكرامة الأولياء حق ، وأنكر الإمام أحمد - رضي الله عنه - على من أنكرها وضلله ، وقال: وتوجد في زمن النبوة وأشراط الساعة وغيرهما ، ولا تدل على صدق من ظهرت على يده فيما يخبر به عن الله تعالى ، ولا على ولايته لجواز سلبها وأن تكون استدراجا له يعني أن مجرد الخارق لا يدل على ذلك ، ولذلك قال: ولا يساكنها ولا يقطع هو بكرامته بها ولا يدعيها ، وتظهر بلا طلبه تشريفا له ظاهرا ، ولا يعلم من ظهرت منه هو أو غيره أنه ولي لله تعالى غالبا بذلك ، وقيل: بلى ولا يلزم من صحة الكرامات ووجودها صدق من يدعيها بدون بينة أو قرائن حالية تفيد الجزم بذلك ، وإن مشى هو على الماء وفي الهواء أو سخرت له الجن والسباع ، حتى تنظر خاتمته وموافقته للشرع في الأمر والنهي .
وإن وجد الخارق من نحو جاهل فهو مخرقة ومكر من إبليس وإغواء وإضلال ، ولا شيء على من ظن الخير بمن يراه منه ، وإن كان في الباطن شيطانا وحسن الظن بأهل الدين والصلاح حسن (فاقف) في اعتقادك الصالح ونهجك أي اتبع (للأدلة) الشرعية والمشاهدات الحسية والقواطع العقلية ، فإن كرامات الأولياء ثابتة بالعيان والبرهان ،
أما أولا فإن وجودها جائز عقلا واقع عيانا وشرعا ، فإن حمل مريم بلا ذكر ، ووجود الرزق عندها بلا سبب من فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف من الخوارق ، وليستا بمعجزتين لعدم شرط المعجزة وهو دعوى النبوة والتحدي فتعين كون ذلك كرامة لها ، وأيضا قصة آصف بن برخيا ، فإن إحضاره لعرش بلقيس في لحظة من مسيرة شهر خارق للعادة حتما ، وأيضا قصة أصحاب الكهف فإن بقاءهم ثلاثمائة سنة بلا آفة من أعظم الخوارق .
وثانيا ما تواتر معناه وإن كانت تفاصيله آحادا من كرامات الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإلى وقتنا هذا مما ذاع وشاع ، وملأ الآفاق والأسماع ، وضاقت عن إحصائه الدفاتر ، وشهدت بوجوده الأكابر والأصاغر ، ولا ينكره إلا معاند ومكابر ، فلا جرم فهو الحق الصراح الرادع لأهل الإنكار والكفاح .
وهو مع كونه كرامة لمن ظهرت على يديه غالبا ، فهو دليل على صحة نبوة متبوع من ظهرت على يديه وحقية دينه واستقامة نهجه ، ومن ثم قلنا (ومن) أي: أي إنسان كائنا من كان (نفاها) أي كرامات الأولياء ، فلم يقل بجوازها فضلا عن وقوعها (من ذوي) أي أصحاب (الضلال) والزيغ عن نهج أهل السنة والاعتزال ، وكذا من نحا نحوهم من أهل السنة كالأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني ، وأبي عبد الله الحليمي من الأشاعرة ، (فقد أتى في ذاك) النفي وعدم التجويز لها (بالمحال) المنابذ للبرهان والعيان وثبوتها في السنن المتواترة ومحكم القرآن ، فمع هذه الأدلة المتواترة والوقائع المتكاثرة ، فالإنكار لها مكابرة غير منظور إليه ولا معول عليه ، وزعمهم أن الخوارق لو جاز ظهورها من الأولياء لالتبس النبي بغيره ، إذ الفرق ما بينهما إنما هو بالمعجزة ، وبأنها لو ظهرت لكثرة الأولياء وخرجت عن كونها خارقة للعادة والغرض كونها خارقا ، فإذا خرجت عن كونها لكثرتها نافت المقصود وخالفته ، ولكونها لو ظهرت لا لغرض التصديق لانسد باب إثبات النبوة بالمعجزة ، لجواز أن يكون ما يظهر من النبي لغرض آخر غير التصديق ، وبأن مشاركة الأولياء للأنبياء في ظهور الخوارق يخل بعظيم قدر الأنبياء ووقعهم في النفوس ، باطل المأخذ غير صالح للتمسك به والتعويل عليه ، والالتفات له والمصير إليه ، حتى ولو لم تكن الأدلة بكرامة الأولياء طافحة والعيان والبيان والبراهين بها واضحة ، فكيف والأدلة القرآنية والسنن النبوية والآثار السلفية والمشاهدات العيانية أكثر من أن تحصى وأجل وأعظم من أن تستقصى ؟ ولهذا قال معللا لما ارتكبوه في نفيها من المحال: (لأنها) أي كرامات الأولياء كثيرة (شهيرة) للعيان ثابتة بالبرهان ، (ولم تزل) تظهر على يد الأولياء الصالحين وأهل التحقيق العارفين (في كل عصر) من الأعصار الماضية وإلى الآن ، والعصر مثلثة وبضمتين الدهر ويجمع على أعصار وعصور وأعصر وعصر ويطلق على اليوم والليلة والعشي إلى احمرار الشمس ، وذلك كما تقدم من حكاية قصة مريم وعرش بلقيس وقصة أصحاب الكهف والمشي على الماء كما نقل عن كثير من الأولياء من الصحابة وغيرهم ، كما في قصة العلاء بن الحضرمي من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فإنه لما ذهب إلى البحرين سلكوا مفازة وعطشوا عطشا شديدا حتى خافوا الهلاك ، فنزل فصلى ركعتين ، ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا ، فجاءت سحابة فأمطرت حتى ملئوا الآنية وسقوا الركاب ، ثم انطلقوا إلى خليج من البحر ما خيض قبل ذلك اليوم فلم يجدوا سفنا ، فصلى ركعتين ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم أجزنا ، ثم أخذ بعنان فرسه ، ثم قال: جوزوا باسم الله ،
قال أبو هريرة: فمشينا على الماء فوالله ما ابتل لنا قدم ولا خف ولا حافر وكان الجيش أربعة آلاف.
والطيران في الهواء كما في قصة جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين رضي الله عنه.
وقصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورؤيته لجيش سارية وهو على منبر بالمدينة بنهاوند فنادى وهو على المنبر لأمير الجيش سارية ، فقال: يا سارية الجبل . تحذيرا له من العدو ومكرهم له من وراء الجبل ، وسماع سارية مع بعد المسافة.
، وكشرب خالد بن الوليد - رضي الله عنه - السم من غير أن يحصل له تضرر ، وكجريان النيل بكتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وأمثال ذلك من كرامات الصحابة - رضي الله عنهم - مما لا يحصى إلا بكلفة ، وكذلك كرامات التابعين لهم ومن بعدهم ما هو طافح ومشهور ، لا يمكن رده وإنكاره في غلبة البيان والظهور .
ولذا قال لمن انتحل المحال (يا شقا أهل الزلل) بما ارتكبوه ، ويا خسارتهم لما انتحلوا من رد المحسوس وتكذيبهم للبرهان بوساوس النفوس ، ومكابرتهم لإنكار العيان بمجرد الوهم والهوس ، وقد قال علماؤنا: إن كرامة الولي وظهور الخارق على يده من (حيث) كونه من آحاد الأمة معجزة للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته ، لأنه يظهر بتلك الكرامة أنه ولي ولن يكون وليا إلا بكونه محقا في ديانته ، وديانته هي الإقرار بالقلب واللسان والانقياد بالجوارح والأركان لما جاء به نبيه المتبوع ورسوله الذي عليه المعول وإلى ما جاء به الرجوع ، والطاعة لأوامره والانتهاء عن زواجره في السر والإعلان ، حتى لو ادعى هذا الذي ظهرت على يده الكرامة الاستقلال بنفسه وعدم المتابعة لم يكن وليا ولم يظهر الخارق على يده ، ولو فرض ظهوره فهو حينئذ من قبيل الاستدراج . والحاصل أن الأمر الخارق للعادة فهو بالنسبة إلى النبي معجزة سواء ظهر من قبله أو من قبل آحاد أمته ، وهو بالنسبة للولي كرامة لخلوه عن دعوى نبوة من ظهر ذلك من قبله ، فالنبي لا بد من علمه بكونه نبيا ، ومن قصد إظهار خوارق العادات وظهور المعجزات ، وأما الولي فلا يلزم أن يعلم بولايته ويستر كرامته ويسرها ، ويجتهد على إخفاء أمره كما تقدمت الإشارة إلى ذلك كله .
( تنبيهات )
( الأول ) وافق أبو الحسين البصري المعتزلي ومن نحا منحاه أهل السنة في جواز كرامات الأولياء ووقوعها .
( الثاني ) يجوز في الكرامات أن تقع بسائر وجوه خوارق العادات على اختلاف أنواعها ، ولو كقلب العصا حية وكوجود ولد من غير أب ، لا بمثل ما اختص به النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل القرآن العظيم الذي هو أعظم المعجزات وأخص الآيات .
وقال قوم: الكرامات تختص بمثل إجابة الدعاء ونحوه.
قال الإمام النووي: وهذا غلط من قائله ، وإنكار للحس بل الصواب جريانها حتى في قلب الأعيان .
( الثالث ) الولاية موهبة من الله تعالى غير مكتسبة ولا يصل الولي ما دام عاقلا بالغا إلى مرتبة سقوط التكليف عنه بالأوامر والنواهي ، ومن زعم ذلك فهو إلحاد وزندقة ، ومن الزندقة ما زعمه من زعمه من بعض الكرامية ومن نحا نحوهم من أن الولي قد يبلغ درجة النبي بل أعلى ، وقدمنا الكلام في تزييف هذا المقام بما يحصل به المرام والله ولي الإنعام .
( الرابع ) قال بعض المحققين للولي أربعة شروط:
( أحدها ) أن يكون عارفا بأصول الدين حتى يفرق بين الخلق والخالق ، وبين النبي والمتنبي
( الثاني ) أن يكون عالما بأحكام الشريعة نقلا وفهما ، ليكتفي بنظره عن التقليد في الأحكام الشرعية كما اكتفى عن ذلك في أصول التوحيد ، فلو أذهب الله تعالى علماء أهل الأرض لوجد عنده ما كان عندهم ولأقام قواعد الإسلام من أولها إلى آخرها ، ( قلت ) وهذا غير معتبر ولا مشترط في مطلق الولي من غير تردد ، نعم يعتبر هذا في المجتهد دون مطلق الولي ، والله أعلم .
( الثالث ) أن يتخلق بالأخلاق المحمودة التي دل عليها الشرع والعقل من الورع عن المحرمات ، بل والمكروهات وامتثال المأمورات وإخلاص العمل وحسن المتابعة والاقتداء .
( الرابع ) أن يلازمه الخوف أبدا ، واحتقار النفس سرمدا ، وأن ينظر إلى الخلق بعين الرحمة والنصيحة ، وأن يبذل جهده في مراقبة محاسن الشريعة ، ومطالعة عيوب النفس وآفاتها ، والخوف بملاحظة السابقة والخاتمة ، ويجمع ذلك كله ويزيد عليه قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} والله تعالى أعلم .
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني – 2/392


__________________
كريمة الخطيب غير متصل   رد باقتباس
 

عدد الأعضاء الحاليين الذين يشاهدون محتوى هذا الموضوع : 1 ( 0 عضو و 1 ضيوف )
 

(مشاهدة الكل عدد الذين شاهدوا هذا الموضوع : 2 :
,
أدوات الموضوع
طرق عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

الانتقال إلى


الساعة الآن: 05:28 PM.


Powered by vBulletin V3.8.4. Copyright ©2000 - 2014,, TranZ by Mohmmad Basha
اصحاب عرب
Trncat | ترنكات لخدمات الإنترنت المتقدمة   Trncat | ترنكات لخدمات الإنترنت المتقدمة
facebook twetter youtube