مصارف الزكاة لفضيلة الشيخ مصطفى العدوي حفظه الله


قال الله تعالى" 10)فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ" أى فلا عمل أعمالاً تجعله يقتحم العقبة التي شأنها عظيم من هذه الأعمال فَكُّ رَقَبَةٍ(13)أَ أى السعي فى تحرير العبيد و الإماء "أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ" أى ذي مجاعة " يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ" أي يتيماً تربطك به قرابة " أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ" أي مسكيناً لصقت يديه بالتراب من شدة الفقر أى كدليل على شدة فقره .



فأرجع إلى ما أنا بصدده و هى آية مصارف الزكاة فقد جمعت مصارف الزكاة آية فمن المعلوم أننا كمجتمع مسلمٍ هناك إيرادات تأتى للمجتمع المسلم من الأفراد و تنفق على أفراد آخرين وهذا ما يتعلق بالزكاة , أما أنظمة الضرائب و الجمارك فليس لها فى ديننا نصيب و ليت أهل الإسلام و الإختصاص يبدلون أنظمة الضرائب و أنظمة الجمارك ببيوت أموالٍ تجمع فيها الزكوات , فالزكوات تجمع و بعد جمعها تنفق فى مصارفها.
فللزكاة أبوابٌ تأتي منها وهى زكاة المال , زكاة الزروع , زكاة الأنعام , زكاة الركاز ., إلى غير ذلك من صور الزكوات كزكاة الفطر و غيرها من الزكاوات , فهذه الأموال تجمع ثم توزع و هذه مهمة بيوت مال المسلمين , أين توزع؟ هذه هى محاضرة الليلة و قد جمعت مصارف الزكاة آية من كتاب الله عز و جل و هى من أواخر ما نزل من ا لكتاب العزيز , أعنى فى سورة من أواخر السور نزولاً في سورة التوبة وهى قوله الله تعالى
" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"
فهذه الآية الكريمة هى آية مصارف الزكاوات قوله تعالى" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ" إنما هنا أداة حصرٍ أى أن الصدقات محصورة فى هذه المصارف الثمانية و ستأتى التوابع و بيان ما فيها إن شاء الله.



"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ"
المراد بالصدقات هنا صدقات الفرض بالإجماع و إلا فأحياناً كلمة الصدقة تطلق على صدقة التطوع , فأحياناً كلمة الصدقة تطلق على صدقة التطوع و أحياناً تطلق على الزكوات المفروضة بحسب المقامات , هنا إنعقد الإجماع على أن المراد بقوله تعالى "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ" أنها زكوات الأموال المفروضة , سواء كانت زكاة المال أو غيرها من الزكوات المفروضة .



"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ"
أطلق عليها صدقات لكونها تدل على صدق إيمان صاحبها فإيمان صاحبها دفعه إلى أن يتصدق , إلى أن يخرج زكاة ماله و لا يخفى عليكم أن الوعيد الشديد جاء فى حق مانع الزكاة إذ الله قال "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35"

قال إبن عمر رضي الله عنهما " كل مالٍ لم تؤدى زكاته فهو كنزٌ و إن كان فوق الأرض و كل مال أديت زكاته فليس بكنزٍ و إن كان تحت الأرض " , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما رجلٍ أتاه الله مالاً و لم يؤدي زكاته صفحت له صفائح من نار فيكوى به وجهه و جبينه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم ينظر بعد مقعده من الجنة و مقعده من النار" .



و فى الحديث الآخر
" من أتاه الله مالاً فلم يؤدي زكاته مٌثل له أى صٌور له ماله شجاع أقرع حية عظيمة ضخمة تساقط شعر رأسها من شدة السم التي به له ذبيبتان أى مليئتنان بالسم حول رأسه يتبعه و يفر منه قائلا أنا كنزك أنا مالك يتبعه و هو يفر منه فلا يسلم منه فيعطيه يده فيقضمها كما يقضم الفحل ثم يلتف حول رقبته فيدخل فى فمه فيشرشر شدقه إلى قفاه و شدقه الآخر إلى قفاه" تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندئذٍ قول الله تعالى
"وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"

أرجع إلى ما أنا بصدده فى قول الله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء , هنا الفقراء عامة لكن مخصوصة بفقراء المسلمين فلا يجوز إخراج الزكاة المفروضة على فقراء الكفار , لايجوز ذلك , ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال " و أخبرهم أن الله إفترض عليهم زكاة فى أموالهم تؤخذ من غنيهم و ترد على فقيرهم" هنا يتأتى أمرٌ و هو .



هل تٌخرج الزكاة لبلدةٍ أخرى أما أنها تنفق فى بلدتك و فى حيك؟
إذا إستوت الملابسات فحيك و بلدك أولى أما إذا لم تستوي الملابسات كأن يكون هناك مثلاً بلدة من البلاد هى أشد إحتياجاً من بلدتك فيجوز النقل آنذاك , إذا كان هناك مثلاً جهادٌ فى سبيل الله فتٌخرج الزكاة إلى مواطنها فإذاً عند إستواء الحالات بلدتك أولى , لكن إذا كان ثَم بلدة هناك أسباب دعتك للإنتقال إليها فحينئذ يجوز الإننتقال .



إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء
, وهل كل فقيرٍ يعطى من الزكاة , إذا مسلماً فبينا أنه إذا لم يكن مسلماً لم يجز إخراج الزكاة له , لكن هب أنه مسلم فهل كل مسلم تٌخرج له الزكاة إذا كان فقيرا ؟ , فأقول بالله تعالى التوفيق ليس كل مسلمٍ فقيرٍ تخرج عليه الزكاة فالمسلم إذا كان يلزمك الإنفاق عليه لن تخرج فيه الزكاة إبنك , زوجتك , أبوك لا يجوز لك أن تخرج الزكاة إلى من يلزمك الإنفاق عليهم و إن كانوا فقراء لأن إنفاقك عليهم واجبٌ و بالله تعالى التوفيق , و قوله تعالى للفقراء.



إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ
فكما أسفلت الفقر نسبيُ , و كم القدر الذي يعطاه الفقير من االعلماء من قال هذا أيضاً ليس فيه نصٌ إنما يعطى الفقير إلى حد أن يقال أنه إرتفع عنه الفقر , و قال آخرون مسألة الإعطاء نسبية أيضاً و فإذا كانت زكاة مالك مثلاً هل تعطيها لعشرة أفراد كل واحد يأخذ مئة أم يأخذها كلها شخص واحد فورد أثر عن عمر , ولكنه سنده يحتاج إلى مزيد مراجعةٍ أنه قال " إذا أعطتيم فأغنوا" لكنه سنده يحتاج إلى نظرٍ فى بعض رجاله و إنتفاء بعض العلل عنهم , فأقول كل جائز و بحسب المقامات يتأتى الإعطاء .

ما حد الفقر الذي معه يستجاز للفقير أخذ الزكاة ؟ الفقر نسبيٌ يختلف من بلدةٍ إلى بلدٍ أخرى فهنالك بلاد مثلاً أو دول من الدول الذي ليست عنده سيارة يعد فقيراً و بلادٌ حد الفقر نسبي ٌ كما هو معلوم



إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا حظ فيها لغني و لا لقوىٍ مكتسب , و فى الحديث الآخر " إن شئت أعطيتك و لا حظ فيها لغنىٍ و لا لذي مرة سوي " و معنى ذي مرةٍ سوي أى ذى قوةٍ صحيح وله إستطاعةٌ للعمل .

قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء هكذا قال ربناسبحانه.



و فى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً خرج ممكن كانوا قبلنا بصدقٍ ليلاً فوقعت صدقته في يد غنيٍ فأصبح الناس يتحدثون أن صٌدق الليلة على غني فقال إذاً لأتصدقن بصدقٍ أخرى " الحديث إلى آخره فى نهايته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن هذا الرجل رأى أن شخصاً أتاه فقال أما صدقتك على الغني فلعله أن إستعف , الشاهد أن الصدقة على الغني كانت مستنكرة أما الزكاوات المفروضة فكما سلف لا حظ فيها لغنيٍ و لا لقويٍ مكتسب .



هذا وقد تثار هنا مسألة هل يعان الشخص على الزواج من زكاة المال؟
ليس عندنا نص صريحٌ فى ذلك , إستأنس البعض من أهل العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف , و المكاتب يرد الأداء , و المجاهد فى سبيل الله , فقالوا أن الناكح يريد العفاف إقترن بالمكاتب العبد الذي كتب على نفسه كي يعتق و إقترن بالمجاهد و هذان مصرافان للزكاة , أما المكاتب فلقوله تعالى
" وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" , أما المجاهد فى سبيل الله فقال البعض يجوز إعطاء الشخص من مال الزكاة كإعانة على الزواج و أبى ذلك آخرون , و إذا صورت الصورة إذا كان ثَم شابٌ فى بلدةٍ من بلادنا فى مصر مثلاً يتقاضى خمسة ألاف جنيه مرتب شهري فهذا المبلغ كبير نسبياً فى بلادنا من ناحية التوصيف هو لا يوصف بأنه فقير و لكنه لايستطيع الزواج الآن , يلزمه أن ينتظر عاماً كي يوفر متطلبات الزواج لكنه فى التوصيف العام لا يسمى فقير , فلا أستجيز إعطاءه من الزكاة لأنه فى التوصيف لايسمى فقيراً و الله أعلم.



إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ
أما المساكين فهم أحسن حالاً من الفقراء و هم الذين لهم دخول لكنها لا تكفيهم , فهؤلاء مصرفٌ من مصارف الزكاوات , فقط يكون لشخصٍ سيارة أجرة مثلاً يقتطات منها و لكن دخلها لا يكفيه فلا يؤمر ببيع السيارة وإنما يعطى من مال الزكاة و من الدليل قوله تعالى " أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ" فوصفوا بالمسكنة مع إمتلاكهم سفينة , و كذا قديكون عند رجلٍ فلاح أرض ٌ زراعية يزرعها فدانان ثلاثة أفدنة ولكن دخلها لا يكفيه و لا يكفي أولاده فهذا يعد مصرفاً لمسكنته و لا يٌلزم ببيع شىءٍ من أرضه للإنفاق على أسرته إنما يصبح مصرفاً من مصارف الزكاوات .



إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا
و هم الذين كانوا يرسلوا لجمع الزكاة من الناس لبيت المال و بعد يوظفوا أيضاً كي يعملوا أبحاثاً و يوصلونها للفقراء هؤلاء العمال عليها هم مصرف من مصارف الزكاوات .



وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
و هم قومٌ إما من الكفار الذين يرجى إسلامهم أو يخشى شرهم فقد يعطون من هذا , أو مسلمون ضعفاء الإيمان يعطون جزءاً من المال للثبات على دينهم.

وَفِي الرِّقَابِ أي فى عتق الرقاب أي لتحرير العبيد و لتحرير الإماء.



قوله تعالى " وَفِي سَبِيلِ اللّهِ"
من مصارف الزكاة , أى لإعلاء كلمة الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا هو فى سبيل الله " و عند الجمهور سبيل الله هم الغزاة فى سبيل الله, أما التعميم المصارف العامة و جعلها فى سبيل الله فليس عليه الجمهور و سيأتي لذلك مزيد بيانٍ إن شاء الله .



أما ابْنِ السَّبِيلِ
فهو الذي إنقطعت به النفقة فلم يعد معه من المال, فيعطى من الزكاة إن شاء الله ثَم تفصيل فى قوله تعالى فى سبيل الله , هذا و الله المستعان و لا حول ولا قوة إلا بالله .