السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الشيطان إذا رأى الإنسان يفكر في التوبة، لم يقف مكتوف اليدين، لأن توبة الإنسان تجعل كل جهود الشيطان السابقة لإيقاعه في المعاصي هباء منثوراً، والشيطان لا يقبل أن يضيع تعبه سدى ولذلك فهو ينشط أكثر ما ينشط عند تفكير الإنسان في التوبة، وعند الموت.
فما هي وسائله في رده عن التوبة؟ إنها متعددة، أهمها:

1ـ التزيين:

إن الشيطان لا يأتي للإنسان فيأمره بالشر وينهاه عن الخير بشكل مباشر، ولكنه يتخذ النفس وسيلة للإغواء، والنفس كما ذكرنا سابقا تحب الشهوات، فيسلك الشيطان هذا السبيل، ويذكر الإنسان بما في الفعل من شهوات تحبها النفس، وتميل إليها، فإذا سمع المسلم آذان الفجر في ليلة باردة مظلمة، قال له: نم، فالفراش دافىء، وأنت متعب مرهق، وإذا جاء رمضان في سنة نهارها طويل حار، ذكره بالماء بالبارد والشراب الطيب والطعام الذي تحبه نفسه، كما يسمي هذه المحرمات بغير اسمائها، لكي لا ينفر الإنسان منها، فيسمي الخروج على أوامر الله: تحرراً، والربا: فائدة والخمر مشروبات روحية، والرقص والغناء، فناً وهكذاً...

2ـ التلبيس:

والشيطان هنا يحاول خداع العقل، فيحاول إقناعه بأن الذي تعتقد أنه حرام، هو في الحقيقة حلال، لاشيء فيها إطلاقاً.
فإذا أراد الإنسان أن يأخذ قرضاً ربوياً، ليبني به بيتاً، قال له الشيطان: هذا ليس حراماً، لأنك لا تريد أن تستغل الناس، وإنما تريد ان تستر نفسك وأولادك ليس إلا، فما وجه الحرمة في ذلك؟
وإن أراد ان لا يسمع الغناء والموسيقى، قال له: لماذا تحرم نفسك من ذلك، وقد افتى بعض العلماء بجوازهما، وهي أمور تريح النفس والأعصاب، ولا تضر احداً، فكيف تكون حراماً؟! وما علم ان مقياس الحرام والحلال هو النصوص الشرعية وليست المصالح التي يتوهمها بعض الناس. واذا اراد الامتناع عن المصافحة والجلسات المختلطة، قال له: انك بذلك تنفر الناس من الاسلام، فصافح النساء وجالسهن، لتثبت لهن ان الاسلام دين الانفتاح، والعلاقات الاجتماعية.

3ـ التسويف:

وهو هنا يستخدم طول الامل في صرف الانسان عن التوبة والعمل الصالح، فان لم تنفع الطرق السابقة، ورآه مصمماً على التوبة، قال له: لابأس ان تتوب، ولكن لماذا العجلة وانت في ريعان الشباب؟ انتظر تكمل دراستك فلما اكملها قال له: حتى تجد عملاً، فاذا وجده، قال له: حتى تتزوج، فالزواج نصف الدين، وهو يعين على التوبة، فإذا تزوج قال له: حتى تؤمن مستقبلك ومستقبل اولادك. ثم يقول: حتى تحج، فان التوبة بعد الحج افضل، لانك ترجع كيوم ولدتك امك، وهكذا... حتى يموت اقباله على التوبة لكثرة التسويف.

4ـ تهوين المعصية:

وهو اسلوب آخر من اساليب الشيطان، يقول لك: لماذا تتوب؟ وماذا فعلت حتى تتوب؟ انت بالنسبة لغيرك من خيار الناس، انما التوبة لاصحاب المعاصي الكثيرة الكبيرة، وانت لست منهم، فلا تشغل نفسك بذلك والله غفور رحيم، لا يؤاخذ الناس بمثل ذلك.

5ـ التيئييس:

وهذا الاسلوب قد يجدي مع بعض الناس الذين اسرفوا في المعصية، ثم ارادوا التوبة، فغلب عليهم جانب الخوف على جانب الرجاء، فيأتيهم الشيطان من هذا الطريق، يقول لهم: ان الله لا يقبل توبة من كانت ذنوبه كثيرة كذنوبك، كيف يقبل الله توبتك وانت الذي فعلت كذا وكذا.. ويذكره بكل معصية كان فعلها.
وهكذا، يصور له الشيطان ان الله لا يقبل توبته، فيصرفه بذلك عن التوبة، وعلى الانسان ان يتذكر قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) سورة الزمر: 53
فالقنوط معصية جديدة، مستقلة بذاتها، قال تعالى: ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ) سورة الحجر: 56
وعن ابو سعيد الخدري رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الشيطان قال : و عزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب : وعزتي و جلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني
»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة»
ان ذنوب العبد مهما عظمت فان عفو الله تعالى ومغفرته اوسع منها واعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله تعالى ومغفرته.