السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخواتي في الله
اتمنى ان تستفدن من هذا الموضوع

موعظة من سورة التكاثر من تفسير القرطبي (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿٢﴾) قال العلماء : ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه , أن يكثر من ذكر هاذم اللذات , ومفرق الجماعات , وموتم البنين والبنات , ويواظب على مشاهدة المحتضرين , وزيارة قبور أموات المسلمين . فهذه ثلاثة أمور , ينبغي لمن قسا قلبه , ولزمه ذنبه , أن يستعين بها على دواء دائه , ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه ; فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت , وانجلت به قساوة قلبه فذاك , وإن عظم عليه ران قلبه , واستحكمت فيه دواعي الذنب ; فإن مشاهدة المحتضرين , وزيارة قبور أموات المسلمين , تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول ; لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير , وقائم له مقام التخويف والتحذير . وفي مشاهدة من احتضر , وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة ; فلذلك كان أبلغ من الأول ; قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس الخبر كالمعاينة ) رواه ابن عباس . فأما الاعتبار بحال المحتضرين , فغير ممكن في كل الأوقات , وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات . وأما زيارة القبور فوجودها أسرع , والانتفاع بها أليق وأجدر . فينبغي لمن عزم على الزيارة , أن يتأدب بآدابها , ويحضر قلبه في إتيانها , ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط ; فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة . ونعوذ بالله من ذلك . بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى , وإصلاح فساد قلبه , أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء , ويتجنب المشي على المقابر , والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر , وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا , وأتاه من تلقاء وجهه ; لأنه في زيارته كمخاطبته حيا , ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه ; فكذلك هاهنا . ثم يعتبر بمن صار تحت التراب , وانقطع عن الأهل والأحباب , بعد أن قاد الجيوش والعساكر , ونافس الأصحاب والعشائر , وجمع الأموال والذخائر ; فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه , وهول لم يرتقبه . فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه , ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال , وجمعوا الأموال ; كيف انقطعت آمالهم , ولم تغن عنهم أموالهم , ومحا التراب محاسن وجوههم , وافترقت في القبور أجزاؤهم , وترمل من بعدهم نساؤهم , وشمل ذل اليتم أولادهم , واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم . وليتذكر ترددهم في المآرب , وحرصهم على نيل المطالب , وانخداعهم لمواتاة الأسباب , وركونهم إلى الصحة والشباب . وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم , وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع , والهلاك السريع , كغفلتهم , وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم , وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه , وكيف تهدمت رجلاه . وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه , ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه , ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه , وليتحقق أن حاله كحاله , ومآله كمآله . وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية , ويقبل على الأعمال الأخروية , فيزهد في دنياه , ويقبل على طاعة مولاه , ويلين قلبه , وتخشع جوارحه .موعظة من سورة التكاثر