بسم الله الرحمن الرحيم

كلمات في الرضا بقضاء الله وقدره


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فالدنيا دار بلاء وامتحان، فيها قد يكرم المرء أو يُهان، فمن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً ونبياً فقد حاز أعلى مراتب الإيمان، ومن تسخط على الأقدار، وأساء الظن بالعزيز الجبار فقد باء بالخسران.
عن أنس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». رواه الترمذي(رقم2396)، وابن ماجه(رقم4031) [الصحيحة:146].

قوله: (فمن رضي، فله الرضا) أي: من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من الابتلاء؛ فله الرضا من الله جزاء وفاقا، كما قال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة: 8]، وهذا دليل على فضيلة الرضا، وهو أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولا يكرهه.

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه: أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ : «الْإِيمانُ باللَّهِ، وتصديقٌ به، وجهاد فِي سبيله، قال : أريدُ أهونَ من ذلك يا رسول اللَّه، قال: السماحةُ والصبرُ، قال: أريدُ أهونَ من ذلك يا رسول اللَّه، قال: لا تتَّهِمِ اللَّهَ تبارك وتعالى في شيء قَضَى لك به». [الصحيحة:3334].

فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في حكمة الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه؛ دعاه ذلك إلى الرضا.

قال ابن مسعود: «إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط».[أثر حَسَنٌ].

وقال ابن عون: «ارض بقضاء الله من عسر ويسر فإن ذلك أقل لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك، ثم تسخط إن رأيت قضاه مخالفا لهواك؟! ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك؛ لكان فيه هلاكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلة علمك بالغيب، إذا كنت كذلك ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضا». رواه ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (رقم69).

وذكره ابن رجب في نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس (ص/184 - الجامع المنتخب) قال: «وهذا كلام حسن».

وقال غَيْلانُ بنُ جريرٍ: «مَنْ أُعْطِيَ الرِّضَا، وَالتَّوَكُّلَ، وَالتَّفْوِيضَ فَقَدْ كُفِيَ». رواه ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (رقم101).

قوله: (ومن سَخِطَ) السخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به، أي: من سَخِطَ أقدار الله؛ فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُ} [محمد:28].

وفيه دليل أن السخط من أكبر الكبائر، وقد يستدل به على إيجاب الرضا كما هو اختيار ابن عقيل.
واختار القاضي عدم الوجوب، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم.

قال شيخ الإسلام-مجموع الفتاوى(11 /260)- : «ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم».

قال: «وأعلى من ذلك»، أي: من الرضا، «أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله تعالى عليه بها» انتهى.

واعلم أنه لا تنافي بين الرضا وبين الإحساس بالألم، فكثير ممن له أنين من وجع وشدة مرض؛ قلبه مشحون من الرضا والتسليم لأمر الله.

فإن قيل: ما الفرق بين الرضا والصبر؟!
فالجواب: قال طائفة من السلف - منهم عمر بن عبدالعزيز، والفضيل بن عياض، وأبوسليمان الداراني، وابن المبارك وغيرهم -: «إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر»، وقال سليمان الخواص: «الصبر دون الرضا، الرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضياً بأي ذاك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر».

قال الشيخ سليمان آل الشيخ: كلام الخواص هذا عزم على الرضا، ليس هو الرضا، فإنه إنما يكون بعد القضاء، كما في الحديث: «وأسألك الرضا بعد القضاء». رواه النسائي وهو صحيح[مشكاة المصابيح(2/ 769رقم2497].

لأن العبد قد يعزم على الرضا بالقضاء قبل وقوعه، فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضي بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة. قاله ابن رجب في نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس(ص/187 - 188 - الجامع المنتخب).

انظر لشرح حديث أنس رضي الله عنه «إن عظم الجزاء..»: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد(2/1037-1038-بتحقيقي).

فالراضي هو الذي يتوكل على الله حق توكله، ويفوض أمره إلى خالقه وبارئه، ويحمد الله على السراء والبلاء، ويُحَسِّن ظنه بربه ومولاه، ويعلم أن ما قدره الله عليه فهو لخير يُقْبلُ عليه، أو لشَرٍّ يندفعُ عنه، ويتهم نفسه بالقصور والتقصير، ويعزم على أرشد الأمور، ويستعيذ بالله من فتنة المحيا والممات، ويستدفع الشرور بالتقوى والخضوع والاستكانه لمن بيده تصريف الأمور.

والمؤمن يحرص أن يحيا حياة سعيدة طيبة، وقِوامُها تقوى الله، والعملُ بمرضاته، وللوصول إلى ذلك فاتخذِ -أيها المسلمُ- الرضا مَطِيَّةً، والقناعة سَجِيَّةً.

قال بعض السلف في تفسير الحياة الطيبة في قوله تعالى: فَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً «القناعة والرضا».

أسأل الله أن يوفقنا للرِّضَى على ما يحب ربنا ويرضى.

تنبيه: الألف في «الرضا» ممدودة وهو الأفصح، ويجوز أن تكتب مقصورة هكذا «الرضى». انظر: أدب الكاتب لابن قتيبة(ص/205).

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


منقوووول