[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;background-color:white;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]




كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري فقال:
[ أما بعد ، فإن الخير كله في الرضا،
فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر
]


إن المصائب التي يُصاب بها الخلق قدر مقدور، وقد أمر تعالى عباده بالصبر، ورتّب على ذلك الثواب الجزيل فقال:
{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ }

وبعد الصبر تأتي منزلة أعظم وهي منزلة الرضا بالقضاء والقدر.

|| كان من دعاء النبي : ( أسألك الرضا بعد القضاء ) .



تعريف الرِضا

عرف العلماء الرضا تعريفات متعددة، وأهمها , ما قاله السيد في تعريفاته : " الرضاء: سرور القلب بمُرِّ القضاء "
وقال العلامة البركوي رحمه الله تعالى : " الرضا: طيب النفس بما يصيبه ويفوته مع عدم التغير " .
وقال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: " الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك التسخط "
وقال المحاسبي رحمه الله تعالى: " الرضا: سكون القلب تحت مجاري الأحكام "

فالرضا مقام قلبي ،
إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يَتلقَّى نوائب الدهر وأنواع الكوارث بإيمان راسخ ، ونفس مطمئنة، وقلب ساكن
بل قد يترقى إلى أرفع من ذلك فيشعر بالسرور والفرحة بمر القضاء، وذلك نتيجة ما تحقق به من المعرفة بالله تعالى، والحبِّ الصادق له سبحانه .




فضل الرضا وأهميته:

هو أسمى مقاماً وأرفع رتبة من الصبر ,, إذ هو السلام الروحي الذي يصل بالعارف إلى حُبِّ كل شيء في الوجود يرضي الله تعالى،
حتى أقدار الحياة ومصائبها، يراها خيراً ورحمة، ويتأملها بعين الرضا فضلاً وبركة .


الرضا أساس الدين، فلا يسلم العبد حتى يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد
نبياً.
والرضا سبب لذوق طعم الإيمان، قال النبي
: ( ذاق طعم الإيمان ، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا )



حُكمه:

أجمع العلماء – رحمهم الله – على استحبابه ، وجاء الثناء على أصحابه، ومدحهم تعالى في كتابه، فقال:
{ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }
وفي الآية دلالة على أن الرضا مقدور للعباد، وبإمكانهم التوصل إليه واكتسابه وتحصيله والتحلي به.
ولعزته على النفوس، وعدم استجابة أكثر النفوس له، وصعوبته عليها؛ لم يوجبه تعالى على خلقه كالصبر رحمةً بهم، وتخفيفاً عنهم،
لكن الذي نبههم إليه وأثنى على أهله وجعل لهم ثواباً عظيماً، وهو رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه ..

فنسأل الكريم العظيم أن يكون لنا من ذلك أوفر الحظ والنصيب .



حال السلف عند المصيبة:

قال ثابت البناني : مات عبدالله بن مطرف بن الشخير , فخرج التابعي مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد أدهن !!, فغضبوا، وقالوا : يموت عبدالله ثم تخرج في ثياب من هذه مدهناً ؟
فقال: أفأستكين لها، وعدني ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا وما فيها !!
قال تعالى:{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }

روي أن عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ لما مات ابنه, دفنه عمر وسوَّى عليه التراب ، ثم استوى قائماً فأحاط به الناس، فقال: رحمك الله يا بني ؛ قد كنت براً بأبيك ، والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسروراً بك، ولا والله ما كنت قط أشد بك سروراً، ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك، منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه.

قال عامر بن قيس: (أحببتُ الله حباً هوَّن عليَّ كلَّ مصيبة، ورضَّاني بكل بليَّة، فلا أُبالي مع حبي إياه علام أصبحت وعلام أمسيت).



ماذا يُشترط للرضا؟
.
إن الراضي قد يُحس بألم المصيبة بحكم الطبع، ولكنه يرضى بها حين يرجع إلى إيمانه بلطف الله تعالى وحكمته، وأن وراء كل فعل من أفعاله تعالى حِكماً خفية. ولطائف دقيقة، كما قال تعالى: {فعسى أنْ تكرَهوا شيئاً ويجعَلَ اللهُ فيه خيراً كثيراً}[النساء: 19].
يُشترط للمُصاب ألا يعترض على حكم الله وألا يتسخطه بل يصبر ويحتسب.
وليس من شرطه: عدم الإحساس بالألم والمكاره

وما ذكر عن بعض السلف فإنما هو مبالغة في الرضا، وفرح شرعي لا طبعي
فمقام رسول الله أرفع فقد بكى حين مات ابنه إبراهيم وقال : ( إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون )
كما لا ينافي الرضا الدعاء برفع البلاء.



سبل الحصول على الرضا:

قيل ليحيى بن معاذ : "متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه ويقول: " إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت ".
ويسهل ذلك على العبد علمه بضعفه وعجزه، ورحمته تعالى به، وليستشعر قوله تعالى: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}
وليتذكر شفقته تعالى على عبده، وإيصاله الخير له، وتيسير أسباب ذلك.
قال تعالى في الحديث القدسي: { وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته }.
وقال: { يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، وكلكم عارٍ إلا من كسوته، أتحبب إليكم بالنعم وتتبعون إلي بالمعاصي، خيري إليكم نازل، وشركم إلي صاعد }.
{ لله تعالى أشد رحمة بعبده من الوالد بولده }
{ ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا أنا قبضت صفيه من أهل الدنيا فصبر ثم احتسبه إلا الجنة } .

قيل للحسن بن علي ـ رضي الله عنه ـ: إن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ يقول: الفقر أحب إليَّ من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة " فقال:
"رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله لم يتمن غير ما اختار الله له ".



ثواب أهل البلاء


إن المصيبة علامة على محبة الله تعالى للعبد ولخيرته وسبب لتكفير ذنوبه وسبب لرفع منزلته في الجنة , فكل ذلك دلت عليه الأحاديث النبوية، فمن المعلوم أن الله تعالى إذا أحب عبداً ابتلاه ، وفي الحديث : إن علم الجزاء مع عظم البلاء وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم.
_ وأما أن المصيبة سبب لتكفير الذنوب فقد وردت بذلك عدة أحاديث منها:
في الصحيحين من حديث عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله قال: ( ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ).
,عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله : ( ما يصيب المؤمن بلاء ولا نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه )
وفيهما أيضاً: ( ما من مسلم يصيبه أذىً من مرض فما سواه إلا حُطَّت عنه خطاياه كما يحت ورق الشجر )
وروى الإمام أحمد وغيره عن رسول الله أنه قال: ( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة )
كما أن المصيبة سبب لرفعة المنزلة ففي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله
قال: ( إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فيما يبلغها بعمل فلا يزال الله تعالى يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها)

كما أن المصيبة دليل على خيرة العبد ، فإذا علم تعالى من عبده قدرة على تحمل المصيبة أصابه بها، إما لتكفير ذنوبه أو حتى ترتفع منزلته، وإن لم يكن له قدرة على تحملها لم يصبه رحمة به.
وقد اشتهر هذا المعنى عند الصحابة والسلف رضوان الله عليهم
فعن الحسن قال: كان رجل منهم أو من المسلمين إذا مر به عام لم يُصب في ماله ونفسه، قال: ما لنا تودع الله منا ؟!


قال العلماء : يُعرف قدر البلاء إذا كُشف الغطاء يوم القيامة، كما في الترمذي من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله
: ( يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض في الدنيا )



المصيبة نعمة من الله لا نقمة،

إذ إنها رحمة من رب العالمين ليُذكر العبد من غفلته:
فقد روى أبو داود في سننه عن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال: جلست إلى النبي
فذكر الأسقام فقال: ( إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أُعفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ولم أرسلوه )



أهل الجنّة هُم المستضعفون

إن المصيبة إذا نزلت أضعفت المرء، وأهل الجنة هم المستضعفون:
ففي الصحيحين عن رسول الله
أنه قال: ( ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار، أهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر )
وفيهما أيضاً: أن النار والجنة تحاجتا فقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: مالي لا يدخلني إلا الجبارون المتكبرون".



نِعمُ الله لا تُحصى ولا تُعدّ

قال تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا }

ليتذكّر المُصاب نعم الله كثيرة و ما فقد بهذه المصيبة إلا إحدى النعم فيستحي أن لا يرضى وعنده كل هذه النعم، ولذا قال النبي
: ( من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في بدنه عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها )

رُوي عن بعض السلف أن أحدهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة، وأظهر شدة اغتمامه بذلك، فقال: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال: لا،
قال: أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال: لا،
قال: أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألف درهم ؟ قال: لا،
قال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال: لا،
قال: "أما تستحي أن تشكو مولاك، وله عندك عروض بخمسين ألفاً ؟!".



الحمد لله،
المصيبة ليست في الدين، وليست أعظم.

الحمد لله أن المصيبة لم تكن في الدين، فكيف لو انتكس الإنسان عن دينه – والعياذ بالله – ؟
قال النبي
: ( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) والعياذ بالله.
- ألم يكن دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك"؟
- ألم يكن أكثر يمينه: "لا ومقلب القلوب"؟
- ألم يقل تعالى في كتابه عن القوم الصالحين أنهم يدعون: { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }
ثم الحمد لله إن المصيبة لم تكن أعظم، فمن مات له ولد فالحمد لله لم يمت اثنان، ومن فقد ماله فالحمد لله لم يفقد أهله وذريته.

قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –: ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علي فيه أربع نعم: إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ أرجو الثواب عليه.

وقال رجل لسهل: دخل اللص بيتي وأخذ متاعي، فقال: اشكر الله تعالى؛ لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك ماذا كنت تصنع ؟

وعلى المصاب أن ينظر إلى حال من هو دونه وأشد منه في البلاء: فروى الترمذي عن النبي
أنه قال: ( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن تزدروا نعمة الله عليكم )



ثمرات الرضا

أن الله تعالى رضيَ عنه باليسير من العمل يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل،
قال تعالى:
{ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }



وأخيراً:

إعلم إن المصائب قد تكون عقوبة من الله تعالى لعبد عصاه حتى يرتدع، أو ليخف شره عن الناس.
كما أن الإنسان قد يبتلى بعدم المصائب عقوبة له ـ والعياذ بالله ـ ويكون ذلك استدراجا له، ولذا كره السلف عدمها.
ينبغي للمرء أن يستغفر الله إذا وقعت عليه مصيبة ويتفقد حاله أن يكون عصا ربه ويكثر من الاستغفار ويتوب إليه.

كما أنه لا ينبغي للمرء أن يدعو الله أن يصيبه بمصيبة تكفر عنه خطاياه قبل يوم القيامة !!
لأن النبي
عاد رجلاً صار مثل الفرخ فقال له: ( هل كنت تدعو بشيء أو تسأله؟ ) قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فاجعله لي في الدنيا،,
فقال رسول الله
: ( سبحان الله ! لا تطيقه ولا تستطيعه، فهلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار...)
وسُئل رسول الله
: أي الدعاء أفضل ؟ فقال: ( سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة )
وقال: ( تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء )

:


هذا والله تعالى أعلم وأحكم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

منقول بتصرف : بارك الله في صاحبه .. لو عرفتُ الإسم كنتُ نشرت اسم صاحبه

[/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]